مباحث في علوم القران لصبحي الصالح - صبحي الصالح - الصفحة ٩٤
بنقط القرآن حين خاطب الحجاج كتابه وسألهم أن يضعوا علامات على الحروف المتشابهة[١]. وتكاد هذه الرواية تنطق بأن نصرا كان أول من نقط المصاحف[٢]، ولكنها تظل -مع ذلك- أضعف من أن تفصل في هذا الخلاف برأي يقيني قاطع.
ولئن تعذر إطلاق الحكم بأن أبا الأسود أو ابن يعمر أو نصرا كان أول من نقط المصاحف، فلا يتعذر القول بأنهم أسهموا جميعا في تحسين الرسم من وتيسير قراءة القرآن على الناس. ولا ريب بعد هذا أن للحجاج -مهما تختلف آراء الناس فيه، ومهما تك نياته الشخصية- عملا عظيما لا سبيل إلى إنكاره في الإشراف على نقط القرآن, والحرص عليه.
وكلما امتد الزمان بالناس ازدادت عنايتهم بتيسير الرسم القرآني، وقد اتخذ هذا التيسير أشكالا مختلفة، فكان الخليل[٣] أول من صنف النقط, ورسمه في كتاب، وذكر علله[٤]، وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام[٥]. ولا يكاد أبو حاتم السجستاني[٦] يؤلف كتابه عن نقط القرآن وشكله حتى يكون رسم المصاحف قد قارب الكمال. حتى إذا كان نهاية القرن الهجري الثالث بلغ الرسم ذروته من الجودة والحسن، وأصبح الناس يتنافسون في اختيار الخطوط الجميلة، وابتكار العلامات المميزة
[١] هذه الرواية من كتاب "التصحيف" لأبي أحمد العسكري، وقد نقلها ابن خلكان ج١ ص١٢٥ ط. سنة ١٣١٠.
[٢] ويظهر أن هذا هو رأي الجاحظ، ففي البرهان ١/ ٢٥١: "وذكر الجاحظ في كتاب "الأمصار" أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف" وقارن بالمحكم٦.
[٣] هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، ويكنى أبا عبد الرحمن. إمام العربية في زمانه، ومستنبط العروض. توفي سنة ١٧٥هـ.
[٤] المحكم ٩.
[٥] كتاب النقط لأبي عمر الداني ص١٣٣ "وانظر الإتقان ٢/ ٢٩٠" وقارن بـ"Geschichte des Qorantexts, ٢٦٢ "cf, Blach.,Intr. cor,٩٧"
[٦] هو سهل بن محمد، المعروف بأبي حاتم السجستاني، من كبار اللغويين في عصره. توفي سنة ٢٤٨، وقد ذكر ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" مقتطفات من أقوال أبي حاتم في رسم القرآن, ص١٤٤.