في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٨٩٣
وكل منها ميسر لما خلق له، سائر في طريقه إلى غاية. وملايين الملايين من الحركات والأحداث والأحوال تتجمع وتتفرق وهي ماضية في طريقها كنغمات الفرقة العازفة بشتى الآلات، لتجتمع كلها في لحن واحد طويل مديد! إنه التوافق المطلق بين طبيعة الوجود، وطبيعة الرسالة، وطبيعة الرسول، وطبيعة الأمة المسلمة.. صنعة الله الواحد، وفطرة المبدع الحكيم.
«فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» ..
لقد أقرأه فلا ينسى (إلا ما شاء الله) ويسره لليسرى. لينهض بالأمانة الكبرى.. ليذكر. فلهذا أعدّ، ولهذا بشر.. فذكر حيثما وجدت فرصة للتذكير، ومنفذا للقلوب، ووسيلة للبلاغ. ذكر «إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» ..
والذكرى تنفع دائما، ولن تعدم من ينتفع بها كثيرا كان أو قليلا. ولن يخلو جيل ولن تخلو أرض ممن يستمع وينتفع، مهما فسد الناس وقست القلوب وران عليها الحجاب..
وحين نتأمل هذا الترتيب في الآيات، ندرك عظمة الرسالة، وضخامة الأمانة، التي اقتضت للنهوض بها هذا التيسير لليسرى، وذلك الإقراء والحفظ وتكفل الله بهما كي ينهض الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعبء التذكير، وهو مزود بهذا الزاد الكبير.
فإذا نهض- صلى الله عليه وسلم- بهذا العبء فقد أدى ما عليه، والناس بعد ذلك وشأنهم تختلف مسالكهم وتختلف مصائرهم، ويفعل الله بهم ما يشاء وفق ما يستجيبون لهذه الذكرى:
«سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» ..
فذكرّ ... وسينتفع بالذكرى «مَنْ يَخْشى» .. ذلك الذي يستشعر قلبه التقوى، فيخشى غضب الله وعذابه.
والقلب الحي يتوجس ويخشى، مذ يعلم أن للوجود إلها خلق فسوى، وقدر فهدى، فلن يترك الناس سدى، ولن يدعهم هملا وهو لا بد محاسبهم على الخير والشر، ومجازيهم بالقسط والعدل. ومن ثم فهو يخشى.
فإذا ذكر ذكر، وإذا بصر أبصر، وإذا وعظ اعتبر.
َ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى»
.. يتجنب الذكرى، فلا يسمع لها ولا يفيد منها. وهو إذن لْأَشْقَى»
الأشقى إطلاقا وإجمالا. الأشقى الذي تتمثل فيه غاية الشقوة ومنتهاها. الأشقى في الدنيا بروحه الخاوية الميتة الكثيفة الصفيقة، التي لا تحس حقائق الوجود، ولا تسمع شهادتها الصادقة، ولا تتأثر بموجباتها العميقة. والذي يعيش قلقا متكالبا على ما في الأرض كادحا لهذا الشأن الصغير! والأشقى في الآخرة بعذابها الذي لا يعرف له مدى:
«الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى. ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» ..
والنار الكبرى هي نار جهنم. الكبرى بشدتها، والكبرى بمدتها، والكبرى بضخامتها.. حيث يمتد بقاؤه فيها ويطول. فلا هو يموت فيجد طعم الراحة ولا هو يحيا في أمن وراحة. إنما هو العذاب الخالد، الذي يتطلع صاحبه إلى الموت كما يتطلع إلى الأمنية الكبرى! وفي الصفحة المقابلة نجد النجاة والفلاح مع التطهر والتذكر.
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» ..
والتزكي: التطهر من كل رجس ودنس، والله- سبحانه- يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه،