في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٤٣١
ولقد كان كما صوره القرآن. كان عذابا مدمرا جبارا. وكان نذيرا صادقا بهذا العذاب.
وهذا هو القرآن حاضرا، سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر. فيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد. وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا:
«وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟» ..
وهذا هو التعقيب الذي يتكرر، بعد كل مشهد يصور.. ويقف السياق عنده بالقلب البشري يدعوه دعوة هادئة إلى التذكر والتدبر، بعد أن يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين.
«كَذَّبَتْ عادٌ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟» ..
وهذه هي الحلقة الثانية، أو المشهد الثاني من مشاهد التعذيب العنيف والمصرع الذي يقف عليه بعد وقفته على مصرع قوم نوح. أول المهلكين.
يبدؤه بالإخبار عن تكذيب عاد. وقبل أن يكمل الآية يسأل سؤال التعجيب والتهويل: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟» .. كيف كان بعد تكذيب عاد؟ ثم يجيب..
كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب:
«إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» .. والريح الصرصر: الباردة العنيفة. وجرس اللفظ يصور نوع الريح. والنحس: الشؤم. وأي نحس يصيب قوما أشد مما أصاب عاد. والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم. فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها؟! والمشهد مفزع مخيف، وعاصف عنيف. والريح التي أرسلت على عاد «هي من جند الله» وهي قوة من قوى هذا الكون، من خلق الله، تسير وفق الناموس الكوني الذي اختاره وهو يسلطها على من يشاء، بينما هي ماضية في طريقها مع ذلك الناموس، بلا تعارض بين خط سيرها الكوني، وأدائها لما تؤمر به وفق مشيئة الله.
صاحب الأمر وصاحب الناموس:
«فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟» ..
يكررها بعد عرض المشهد. والمشهد هو الجواب! ثم يختم الحلقة بالتعقيب المكرر في السورة وفق نسقها الخاص:
«وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟» ..
ثم يمضي إلى المشهد التالي في السياق وفي التاريخ:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ. فَقالُوا: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ. أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ. سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ.