في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٤٢٦
ومن رواية عبد الله بن عباس- رضي الله عنه-.. قال البخاري: حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: انشق القمر في زمان النبي- صلى الله عليه وسلم-.. ورواه البخاري أيضا ومسلم من طريق آخر عن عراك بسنده السابق إلى ابن عباس.. وروى ابن جرير من طريق أخرى إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه.. وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا.. وقال الطبراني بسند آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا:
سحر القمر، فنزلت: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» - إلى قوله: «مُسْتَمِرٌّ» .
ومن رواية عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- انشق فلقتين فلقة من دون الجبل وفلقة خلف الجبل. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اشهد» .. وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد..
ومن رواية عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اشهدوا» . وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجاه كذلك من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود. وقال البخاري: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت قريش:
هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم من السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال: فجاء السفار فقالوا ذلك.. وروى البيهقي من طريق أخرى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، بما يقرب من هذا.
فهذه روايات متواترة من طرق شتى عن وقوع هذا الحادث، وتحديد مكانه في مكة- باستثناء رواية لم نذكرها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان في منى- وتحديد زمانه في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة. وتحديد هيئته- في معظم الروايات أنه انشق فلقتين، وفي رواية واحدة أنه كسف (أي خسف) .. فالحادث ثابت من هذه الروايات المتواترة المحددة للمكان والزمان والهيئة.
وهو حادث واجه به القرآن المشركين في حينه ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه فلا بد أن يكون قد وقع فعلا بصورة يتعذر معها التكذيب، ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات، لو وجدوا منفذا للتكذيب. وكل ما روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا! ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر، فعرفوا أنه ليس بسحر فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به حين سئلوا عنه.
بقيت لنا كلمة في الرواية التي تقول: إن المشركين سألوا النبي- صلى الله عليه وسلم- آية. فانشق القمر.
فإن هذه الرواية تصطدم مع مفهوم نص قرآني مدلوله أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يرسل بخوارق من