في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٧٦٩
بنان، ولا تختل عن مكانها، بل تسوى تسوية، لا ينقص معها عضو ولا شكل هذا العضو، مهما صغر ودق! ويكتفي هنا بهذا التقرير المؤكد، وسيجيء في نهاية السورة دليل آخر من واقع النشأة الأولى. إنما يخلص هنا إلى الكشف عن العلة النفسية في هذا الحسبان، وتوقع عدم جمع العظام.. إن هذا الإنسان يريد أن يفجر، ويمضي قدما في الفجور، ولا يريد أن يصده شيء عن فجوره، ولا أن يكون هناك حساب عليه وعقاب. ومن ثم فهو يستبعد وقوع البعث، ويستبعد مجيء يوم القيامة:
«بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ. يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟» ..
والسؤال بأيان- هذا اللفظ المديد الجرس- يوحي باستبعاده لهذا اليوم.. وذلك تمشيا مع رغبته في أن يفجر ويمضي في فجوره، لا يصده شبح البعث وشبح الآخرة.. والآخرة لجام للنفس الراغبة في الشر، ومصد للقلب المحب للفجور. فهو يحاول إزالة هذا المصد، وإزاحة هذا اللجام، لينطلق في الشر والفجور بلا حساب ليوم الحساب.
ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها، سريعا خاطفا حاسما، ليس فيه تريث ولا إبطاء حتى في إيقاع النظم، وجرس الألفاظ. وكان مشهدا من مشاهد القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية، والمشاهد الكونية:
«فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟» .
فالبصر يخطف ويتقلب سريعا سريعا تقلب البرق وخطفه. والقمر يخسف ويطمس نوره. والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق. ويختل نظامهما الفلكي المعهود، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق.. وفي وسط هذا الذعر والانقلاب، يتساءل الإنسان المرعوب: «أَيْنَ الْمَفَرُّ؟» ويبدو في سؤاله الارتباع والفزع، وكأنما ينظر في كل اتجاه، فإذا هو مسدود دونه، مأخوذ عليه! ولا ملجأ ولا وقاية، ولا مفر من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه، والمستقر عنده ولا مستقر غيره:
«كَلَّا! لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ» ..
وما كان يرغب فيه الإنسان من المضي في الفجور بلا حساب ولا جزاء، لن يكون يومئذ، بل سيكون كل ما كسبه محسوبا، وسيذكر به إن كان نسيه، ويؤخذ به بعد أن يذكره ويراه حاضرا:
«يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»
..
بما قدمه من عمل قبل وفاته، وبما أخره وراءه من آثار هذا العمل خيرا كان أم شرا. فمن الأعمال ما يخلف وراءه آثارا تضاف لصاحبها في ختام الحساب! ومهما اعتذر الإنسان بشتى المعاذير عما وقع منه، فلن يقبل منها عذر، لأن نفسه موكولة إليه، وهو موكل بها، وعليه أن يهديها إلى الخير ويقودها. فإذا انتهى بها إلى الشر فهو مكلف بها وحجة عليها:
«بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
..
ومما يلاحظ أن كل شيء سريع قصير: الفقر. والفواصل. والإيقاع الموسيقي. والمشاهد الخاطفة. وكذلك عملية الحساب: «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»
هكذا في سرعة وإجمال.. ذلك أنه رد على استطالة الأمد والاستخفاف بيوم الحساب!