في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٥٣٨
وهو- سبحانه- يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من الميول الطبيعية ورواسب الجاهلية جميعا- وكان العرب بطبيعتهم أشد الناس احتفالا بعصبية القبيلة والعشيرة والبيت- فكان يأخذهم يوما بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث وبالتعقيب على الأحداث، ليكون العلاج على مسرح الحوادث وليكون الطرق والحديد ساخن! وتذكر الروايات حادثا معينا نزل فيه صدر هذه السورة. وقد تكون هذه الروايات صحيحة في سبب النزول المباشر. ولكن مدى النصوص القرآنية دائما أبعد من الحوادث المباشرة.
وقد قيل في هذا الحادث: إن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من المهاجرين. وكان من أهل بدر أيضا.
وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفا لعثمان. فلما عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على فتح مكة لما نقض أهلها عهد الحديبية أمر المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: «اللهم عمّ عليهم خبرنا» .. وأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جماعة من أصحابه بوجهته، كان منهم حاطب.
فعمد حاطب فكتب كتابا وبعثه مع امرأة مشركة- قيل من مزينة- جاءت المدينة تسترفد- إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا. فأطلع الله- تعالى- رسوله على ذلك استجابة لدعائه. وإمضاء لقدره في فتح مكة. فبعث في أثر المرأة، فأخذ الكتاب منها.
وقد روى البخاري في المغازي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعد ابن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي- رضي الله عنه- قال: «بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبا مرثد والزبير بن العوام- وكلنا فارس- وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين» . فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلنا: الكتاب؟ فقالت ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا.
فقلنا: ما كذب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته. فانطلقنا به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال عمر:
يا رسول الله. قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضربن عنقه. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-:
«ما حملك على ما صنعت؟» قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أردت أن تكون لي عند القوم يد. يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال: «صدق لا تقولوا إلا خيرا» . فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه. فقال: «أليس من أهل بدر؟ - فقال-: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة- أو- قد غفرت لكم» فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.. وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» .. وفي رواية أخرى أن الذين أرسلوا كانوا هم علي والزبير والمقداد.
والوقوف قليلا أمام هذا الحادث وما دار بشأنه لا يخرج بنا عن «ظلال القرآن» والتربية به وبالأحداث والتوجيهات والتعقيبات عن طريق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- القائد المربي العظيم..
وأول ما يقف الإنسان أمامه هو فعلة حاطب، وهو المسلم المهاجر، وهو أحد الذين أطلعهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على سر الحملة.. وفيها ما يكشف عن منحنيات النفس البشرية العجيبة، وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها وقوتها وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها.