في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٧٧٣
وفي مواجهة المشهد المكروب الملهوف الجاد الواقع يعرض مشهد اللاهين المكذبين، الذين لا يستعدون بعمل ولا طاعة، بل يقدمون المعصية والتولي، في عبث ولهو، وفي اختيال بالمعصية والتولي:
«فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» ! ..
وقد ورد أن هذه الآيات تعني شخصا معينا بالذات، قيل هو أبو جهل «عمرو بن هشام» .. وكان يجيء أحيانا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسمع منه القرآن. ثم يذهب عنه، فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى ويؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالقول، ويصد عن سبيل الله. ثم يذهب مختالا بما يفعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئا يذكر..
والتعبير القرآني يتهكم به، ويسخر منه، ويثير السخرية كذلك، وهو يصور حركة اختياله بأنه «يَتَمَطَّى!» يمط في ظهره ويتعاجب تعاجبا ثقيلا كريها! وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله، يسمع ويعرض، ويتفنن في الصد عن سبيل الله، والأذى للدعاة، ويمكر مكر السيئ، ويتولى وهو فخور بما أوقع من الشر والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صد عن سبيل الله، وبما مكر لدينه وعقيدته وكاد! والقرآن يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد:
«أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» ..
وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد، وقد أمسك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخناق أبي جهل مرة، وهزه، وهو يقول له: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» .. فقال عدو الله: أتوعدني يا محمد؟
والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا. وإني لأعز من مشى بين جبليها!! فأخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وبرب محمد القوي القهار المتكبر. ومن قبله قال فرعون لقومه: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» .. وقال: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي؟» .. ثم أخذه الله كذلك.
وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتز بعشيرته وبقوته وبسلطانه ويحسبها شيئا وينسى الله وأخذه.
حتى يأخذه أهون من بعوضة، وأحقر من ذبابة.. إنما هو الأجل الموعود لا يستقدم لحظة ولا يستأخر.
وفي النهاية يمس القلوب بحقيقة أخرى واقعية في حياتهم، لها دلالتها على تدبير الله وتقديره لحياة الإنسان.
ولها دلالتها كذلك على النشأة الآخرة التي ينكرونها أشد الإنكار. ولا مفر من مواجهتها، ولا حيلة في دفع دلالتها:
«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً؟ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى؟ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى؟ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ: الذَّكَرَ وَالْأُنْثى؟ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟» ..
وهذا المقطع الأخير العميق الإيقاع، يشتمل على لفتات عميقة إلى حقائق كبيرة. ما كان المخاطبون بهذا القرآن يخطرونها على بالهم في ذلك الزمان. وأولى هذه اللفتات تلك اللفتة إلى التقدير والتدبير في حياة الإنسان:
«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» ..
فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علة لها ولا هدف ولا غاية.. أرحام تدفع وقبور تبلع.. وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب من متاع الحيوان.. فأما أن يكون هناك ناموس، وراءه هدف،