في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٣٤٧
بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب، يبدعه القرآن إبداعا:
«وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟ فَكَرِهْتُمُوهُ» ..
لا يغتب بعضكم بعضا. ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية. مشهد الأخ يأكل لحم أخيه.. ميتا..! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب! ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة تطلعا للرحمة:
«وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ» ..
ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب. ويتشدد فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض.
في حديث رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «ذكرك أخاك بما يكره» . قيل:
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .. ورواه الترمذي وصححه.
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قلت للنبي- صلى الله عليه وسلم-: حسبك من صفية كذا وكذا (قال عن مسدد تعني قصيرة) فقال- صلى الله عليه وسلم-: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» .
قالت: وحكيت له إنسانا. فقال- صلى الله عليه وسلم-: «ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا» ..
وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» ..
ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية، ورجمهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما، سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب! ثم سار النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى مر بجيفة حمار، فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» . قالا: غفر الله لك يا رسول الله! وهل يؤكل هذا؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» [١] .
وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع، وانتهى إلى ما صار إليه: حلما يمشي على الأرض، ومثلا يتحقق في واقع التاريخ.
[١] رواه ابن كثير في التفسير وقال: إسناده صحيح.