في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٤٠٠٢
(١١٢) سورة الإخلاص مكيّة وآياتها أربع
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة. قال البخاري: حدثنا إسماعيل:
حدثني مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعد، أن رجلا سمع رجلا يقرأ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» يرددها. فلما أصبح جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له- وكأن الرجل يتقالها- فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلاث القرآن» ..
وليس في هذا من غرابة. فإن الأحدية التي أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» .. هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة.. وقد تضمنت السورة- من ثم- أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة..
«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» .. وهو لفظ أدق من لفظ «واحد» .. لأنه يضيف إلى معنى «واحد» أن لا شيء غيره معه. وأن ليس كمثله شيء.
إنها أحدية الوجود.. فليس هناك حقيقة إلا حقيقته. وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده. وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية.
وهي- من ثم- أحدية الفاعلية. فليس سواه فاعلا لشيء، أو فاعلا في شيء، في هذا الوجود أصلا.
وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضا..
فإذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية.
خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود- إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلا! - فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي. ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعلية الإرادة الإلهية. فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته!