في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٨٢٨
«يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل [١] » . ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة..
إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء. وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض! ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس فانفعل لها أشد الانفعال، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال. تكفيرا عن قولته الكبيرة! وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء.. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك. فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة» . فقال: ما عملت في الإسلام عملا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي [٢] .
وكان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه: «ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب» [٣] .. وقال عنه: «ملئ عمار- رضي الله عنه- إيمانا إلى مشاشه [٤] » .. وعن حذيفة- رضي الله عنه قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-: «إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي- وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما- واهتدوا بهدي عمار. وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» [٥] .
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله.. عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- من كثرة دخولهم على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ولزومهم له» [٦] .
وجليبيب- وهو رجل من الموالي- كان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار. فلما تأبى أبواها قالت هي: أتريدون أن تردوا على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أمره؟
إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. فرضيا وزوجاها [٧] .
وقد افتقده رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه.. عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- في مغزى له، فأفاء الله عليه. فقال لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم. فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟» فقالوا: لا. قال: «لكني أفقد جليبيبا» فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتى النبي- صلّى الله عليه وسلم- فوقف عليه، ثم قال: قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه. ثم وضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبي- صلّى الله عليه وسلم- قال: فحفر له، ووضع في قبره ولم يذكر غسلا [٨] .
[١] أخرجه ابن المبارك في البر والصلة مع اختلاف.
[٢] أخرجه الشيخان.
[٣] أخرجه الترمذي.
[٤] أخرجه النسائي.
[٥] أخرجه الترمذي.
[٦] أخرجه الشيخان والترمذي.
[٧] من حديث في مسند الإمام أحمد عن أنس.
[٨] أخرجه مسلم.