في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٥٧٧
عبد الله بن أبي ابنه. فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: أما إذ أذن لك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجز الآن.. [١]
وننظر مرة إلى الأحداث، ومرة إلى الرجال، ومرة إلى النص القرآني، فنجدنا مع السيرة، ومع المنهج التربوي الإلهي، ومع قدر الله العجيب في تصريف الأمور..
فهذا هو الصف المسلم يندس فيه المنافقون ويعيشون فيه- في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- قرابة عشر سنوات. والرسول- صلى الله عليه وسلم- لا يخرجهم من الصف، ولا يعرفهم الله له بأسمائهم وأعيانهم إلا قبيل وفاته. وإن كان يعرفهم في لحن القول، بالالتواء والمداورة. ويعرفهم بسيماهم وما يبدو فيها من آثار الانفعالات والانطباعات. ذلك كي لا يكل الله قلوب الناس للناس. فالقلوب له وحده، وهو الذي يعلم ما فيها ويحاسب عليه، فأما الناس فلهم ظاهر الأمر كي لا يأخذوا الناس بالظنة، وكي لا يقضوا في أمورهم بالفراسة! وحتى حينما عرف الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- بالنفر الذين ظلوا على نفاقهم إلى أواخر حياته، فإنه لم يطردهم من الجماعة وهم يظهرون الإسلام ويؤدون فرائضه. إنما عرفهم وعرّف بهم واحدا فقط من رجاله هو حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- ولم يشع ذلك بين المسلمين. حتى إن عمر- رضي الله عنه- كان يأتي حذيفة ليطمئن منه على نفسه أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يسمه له من المنافقين! وكان حذيفة يقول له: يا عمر لست منهم. ولا يزيد! وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أمر ألا يصلي على أحد منهم مات أبدا. فكان أصحابه يعرفون عند ما يرون الرسول لا يصلي على ميت. فلما قبض- صلى الله عليه وسلم- كان حذيفة لا يصلي على من عرف أنه منهم. وكان عمر لا ينهض للصلاة على ميت حتى ينظر.
فإن رأى حذيفة هناك علم أنه ليس من المجموعة وإلا لم يصل هو الآخر ولم يقل شيئا! وهكذا كانت تجري الأحداث- كما يرسمها القدر- لحكمتها ولغايتها، للتربية والعبرة وبناء الأخلاق والنظم والآداب.
وهذا الحادث الذي نزلت فيه تلك الآيات هو وحده موضع عبر وعظات جمة..
هذا عبد الله بن أبي بن سلول. يعيش بين المسلمين. قريبا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تتوالى الأحداث والآيات من بين يديه ومن خلفه على حقيقة هذا الدين وصدق هذا الرسول. ولكن الله لا يهدي قلبه للإيمان، لأنه لم يكتب له هذه الرحمة وهذه النعمة. وتقف دونه ودون هذا الفيض المتدفق من النور والتأثير، تقف دونه إحنة في صدره أن لم يكن ملكا على الأوس والخزرج، بسبب مقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالإسلام إلى المدينة! فتكفه هذه وحدها عن الهدى. الذي تواجهه دلائله من كل جانب. وهو يعيش في فيض الإسلام ومده في يثرب! وهذا ابنه عبد الله- رضي الله عنه وأرضاه- نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع. يشقى بأبيه ويضيق بأفاعيله ويخجل من مواقفه. ولكنه يكن له ما يكنه الولد البار العطوف. ويسمع أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد أن يقتل أباه هذا. فيختلج قلبه بعواطف ومشاعر متباينة، يواجهها هو في صراحة وفي قوة وفي نصاعة.
إنه يحب الإسلام، ويحب طاعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويحب أن ينفذ أمره ولو في أبيه. ولكنه
[١] مما يلاحظ أن حديث الإفك المشهور قد وقع في أعقاب تلك الغزوة وكان الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول!