في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٣٣٨
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»
..
تبدأ السورة بأول نداء حبيب، وأول استجاشة للقلوب. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .. نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب. واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به، وتشعرهم بأنهم له، وأنهم يحملون شارته، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده، وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم، فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم، ويسلم ويستسلم:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
يا أيها الذين آمنوا، لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحا، لا في خاصة أنفسكم، ولا في أمور الحياة من حولكم. ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله.
قال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا. لو صح كذا. فكره الله تعالى ذلك.
وقال العوفي: نهوا أن يتكلموا بين يديه. وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
فهو أدب نفسي مع الله ورسوله. وهو منهج في التلقي والتنفيذ. وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته.. وهو منبثق من تقوى الله، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم..
وكل ذلك في آية واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة.
وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يدلي به وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول..
روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه- بإسناده- عن معاذ- رضي الله عنه- حيث قال له النبي- صلى الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى. قال- صلى الله عليه وسلم-: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال- صلى الله عليه وسلم-:
«فإن لم تجد؟» قال- رضي الله عنه-: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما يرضي رسول الله.
وحتى لكأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله! جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سأل في حجة الوداع:
«أي شهر هذا؟» .. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: بلى! قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه