في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٣١٨
سَيِّئاتِهِمْ، وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً» ..
والسكينة لفظ معبر مصور ذو ظلال والسكينة حين ينزلها الله في قلب، تكون طمأنينة وراحة، ويقينا وثقة، ووقارا وثباتا، واستسلاما ورضى.
ولقد كانت قلوب المؤمنين في هذه الواقعة تجيش بمشاعر شتى، وتفور بانفعالات متنوعة. كان فيها الانتظار والتطلع إلى تصديق رؤيا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدخول المسجد الحرام ثم مواجهة موقف قريش وقبول الرسول- صلى الله عليه وسلم- للرجوع عن البيت في هذا العام، بعد الإحرام، وبعد إشعار الهدي وتقليده. كان هذا أمرا شاقا على نفوسهم ما في ذلك ريب. وقد روي عن عمر- رضي الله عنه- أنه جاء أبا بكر وهو مهتاج، فكان مما قال له- غير ما أثبتناه في صلب رواية الحادث-: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال أبو بكر- الموصول القلب بقلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي ينبض قلبه على دقات قلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. فتركه عمر- رضي الله عنه- إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال له فيما قال: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال- صلى الله عليه وسلم: «بلى. أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال: لا. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «فإنك آتيه ومطوف به» .. فهذه صورة مما كان يجيش في القلوب..
وكان المؤمنون ضيقي الصدور بشروط قريش الأخرى، من رد من يسلم ويأتي محمدا بغير إذن وليه.
ومن حميتهم الجاهلية في رد اسم الرحمن الرحيم. وفي رد صفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد روي أن عليا- رضي الله عنه- أبى أن يمحو هذه الصفة كما طلب سهيل بن عمرو بعد كتابتها، فمحاها رسول الله بنفسه وهو يقول: «اللهم إنك تعلم أني رسولك» ..
وكانت حميتهم لدينهم وحماستهم للقاء المشركين بالغة، يبدو هذا في بيعتهم الإجماعية ثم انتهى الأمر إلى المصالحة والمهادنة والرجوع. فلم يكن هينا على نفوسهم أن تنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه. يبدو هذا في تباطئهم في النحر والحلق، حتى قالها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثا. وهم من هم طاعة لأمر رسول الله وامتثالا. كالذي حكاه عنهم لقريش عروة ابن مسعود الثقفي. ولم ينحروا ويحلقوا أو يقصروا إلا حين رأوا رسول الله يفعل هذا بنفسه، فهزتهم هذه الحركة العملية ما لم يهزهم القول، وثابوا إلى الطاعة كالذي كان في دهشة المأخوذ! وهم كانوا قد خرجوا من المدينة بنية العمرة، لا ينوون قتالا، ولم يستعدوا له نفسيا ولا عمليا. ثم فوجئوا بموقف قريش، وبما شاع من قتلها لعثمان، وبإرسال النفر الذين رموا في عسكر المسلمين بالنبل والحجارة.
فلما عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المناجزة وطلب البيعة أعطوها له عن بكرة أبيهم. ولكن هذا لا ينفي موقف المفاجأة على غير ما كانت نفوسهم قد خرجت له. وهو بعض ما كان يجيش في قلوبهم من انفعالات وتأثرات. وهم ألف وأربعمائة وقريش في دارها، ومن خلفهم الأعراب والمشركون.
وحين يسترجع الإنسان هذه الصور يدرك معنى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
ويذوق طعم اللفظ وطعم العبارة، ويتصور الموقف يومئذ ويعيش فيه مع هذه النصوص، ويحس برد السكينة وسلامها في تلك القلوب.
ولما كان الله يعلم من قلوب المؤمنين يومئذ، أن ما جاش فيها جاش عن الإيمان، والحمية الإيمانية لا لأنفسهم،