في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٣١٢
«قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال- صلى الله عليه وسلم- ذلك ثلاث مرات.
فلما لم يقم منهم أحد دخل- صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة- رضي الله عنها- فذكر لها ما لقي من الناس. قالت (أم سلمة) - رضي الله عنها-: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بيده، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» .
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين» . فقالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: «لم يشكوا» ..
قال الزهري في حديثه.. ثم انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من وجهه ذلك قافلا. حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح.
وروى الإمام أحمد- بإسناده- عن مجمع بن حارثة الأنصاري- رضي الله عنه- وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن. قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض:
ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخرجنا مع الناس نوجف. فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» .. قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» ..
وروى الإمام أحمد بإسناده- عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفر. قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد علي. قال: فقلت ثكلتك أمك يا بن الخطاب.
ألححت. كررت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات، فلم يرد عليك! قال: فركبت راحلتي، فحركت بعيري، فتقدمت، مخافة أن يكون نزل فيّ شيء. قال: فإذا أنا بمناد يا عمر. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء. قال: فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» .. ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك رحمه الله..
هذا هو الجو الذي نزلت فيه السورة. الجو الذي اطمأنت فيه نفس الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى إلهام ربه، فتجرد من كل إرادة إلا ما يوحيه هذا الإلهام العلوي الصادق ومضى يستلهم هذا الإيحاء في كل خطوة وفي كل حركة، لا يستفزه عنه مستفز، سواء من المشركين أو من أصحابه الذين لم تطمئن نفوسهم في أول الأمر لقبول استفزاز المشركين وحميتهم الجاهلية. ثم أنزل الله السكينة في قلوبهم، ففاءوا إلى الرضى واليقين والقبول الخالص العميق كإخوانهم الذين كانوا على هذه الحال منذ أول الأمر، شأن الصديق أبي بكر الذي لم تفقد روحه لحظة واحدة صلتها الداخلية المباشرة بروح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن ثم