في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٣١١
قال: ثم دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- فقال: «اكتب باسم الله الرّحمن الرّحيم» قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اكتب باسمك اللهم» فكتبها. ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» . قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. قال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.
سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة [١] . وأنه لا إسلال ولا إغلال [٢] ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه- فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقيدة قريش وعهدهم- وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب: السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها.
فبينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل ابن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد، قد لجت [٣] القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: «صدقت» فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله. وإنا لا نغادر بهم» . قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول:
اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني قائم السيف منه. قال:
يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال: فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية [٤] .
فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص (وهو يومئذ مشرك) وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.
قال الزهري: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه:
[١] أي تكف عنا ونكف عنك. والأصل أن بيننا وعاء مقفلا فاستعاره لهذا المعنى.
[٢] الإسلال: السرقة الخفية، والإغلال: الخيانة.
[٣] لجت القضية: انعقدت وانتهى أمرها.
[٤] روي عن أبي جندل أن الذي منعه حرصه على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا الضن بأبيه!