في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٢٧٥
وآكد في تقرير هذه الحقيقة. ثم يجيء التعقيب الشامل: «إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون.
وعند ذكر الإحياء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون:
«وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ. أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا: بَلى وَرَبِّنا. قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..
يبدأ المشهد حكاية أو مقدمة لحكاية: «وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ» ..
وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته. وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض:
«أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟» ..
ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون، واليوم تتلوى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون.
والجواب في خزي وفي مذلة وفي ارتياع:
«بلى. وربنا» ..
هكذا هم يقسمون: «وَرَبِّنا» .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون له بربوبية. ثم هم اليوم يقسمون به على الحق الذي أنكروه! عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع، ويقضى الأمر، وينتهي الحوار:
«قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..
«كلمة ورد غطاها» .. كما يقال! الجريمة ظاهرة. الجاني معترف. فإلى الجحيم! وسرعة المشهد هنا مقصودة. فالمواجهة حاسمة، ولا مجال لأخذ ولا رد. لقد كانوا ينكرون.
فالآن يعترفون. والآن يذوقون! وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر. وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعن القرآن الكريم.. يجيء الإيقاع الأخير. توجيها للرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يصبر عليهم، ولا يستعجل لهم، فقد رأى ما ينتظرهم، وهو منهم قريب:
«فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ. بَلاغٌ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ» ..
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال، والمعاني والإيحاءات، والقضايا والقيم.
«فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ» ..
توجيه يقال لمحمد- صلى الله عليه وسلم- وهو الذي احتمل ما احتمل، وعانى من قومه ما عانى. وهو