في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٣٢٥٩
«وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً. وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا، لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ» وقد كرر القرآن الإشارة إلى الصلة بين القرآن والكتب قبله، وبخاصة كتاب موسى، باعتبار أن كتاب عيسى تكملة وامتداد له. وأصل التشريع والعقيدة في التوراة. ومن ثم سمى كتاب موسى «إِماماً» ووصفه بأنه رحمة. وكل رسالة السماء رحمة للأرض ومن في الأرض، بكل معاني الرحمة في الدنيا وفي الآخرة.. «وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا» .. مصدق للأصل الأول الذي تقوم عليه الديانات كلها وللمنهج الإلهي الذي تسلكه الديانات جميعها وللاتجاه الأصيل الذي توجه البشرية إليه، لتتصل بربها الواحد الكريم.
والإشارة إلى عروبته للامتنان على العرب، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم، ورعايته لهم، وعنايته بهم ومظهرها اختيارهم لهذه الرسالة، واختيار لغتهم لتتضمن هذا القرآن العظيم.
ثم بيان لطبيعة الرسالة، ووظيفتها:
«لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ» ..
وفي نهاية هذا الشوط الأول يصور لهم جزاء المحسنين، ويفسر لهم هذه البشرى التي يحملها إليهم القرآن الكريم، بشرطها، وهو الاعتراف بربوبية الله وحده والاستقامة على هذا الاعتقاد ومقتضياته:
«إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ. ثُمَّ اسْتَقامُوا. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
وقولة: «رَبُّنَا اللَّهُ» .. ليست كلمة تقال. بل إنها ليست مجرد عقيدة في الضمير. إنما هي منهج كامل للحياة، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه، وكل حركة وكل خالجة ويقيم ميزانا للتفكير والشعور، وللناس والأشياء، وللأعمال والأحداث، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود.
«رَبُّنَا اللَّهُ» فله العبادة، وإليه الاتجاه. ومنه الخشية وعليه الاعتماد.
«رَبُّنَا اللَّهُ» فلا حساب لأحد ولا لشيء سواه، ولا خوف ولا تطلع لمن عداه.
«رَبُّنَا اللَّهُ» فكل نشاط وكل تفكير وكل تقدير متجه إليه، منظور فيه إلى رضاه.
«رَبُّنَا اللَّهُ» فلا احتكام إلا إليه، ولا سلطان إلا لشريعته، ولا اهتداء إلا بهداه.
«رَبُّنَا اللَّهُ» فكل من في الوجود وكل ما في الوجود مرتبط بنا ونحن نلتقي به في صلتنا بالله.
«رَبُّنَا اللَّهُ» .. منهج كامل على هذا النحو، لا كلمة تلفظها الشفاه، ولا عقيدة سلبية بعيدة عن واقعيات الحياة.
«ثُمَّ اسْتَقامُوا» .. وهذه أخرى. فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج:
استقامة النفس وطمأنينة القلب. استقامة المشاعر والخوالج، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات. وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة. واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار.
وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك! «رَبُّنَا اللَّهُ» .. منهج.. والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره. والذين يقسم الله لهم المعرفة والاستقامة هم الصفوة المختارة. وهؤلاء «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .. وفيم الخوف وفيم الحزن.. والمنهج واصل.
والاستقامة عليه ضمان الوصول؟