تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٧٥
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم: ٦١] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: ٧٢] وَقَوْلُهُ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: ٧٢] نُصِبَ تَرْجَمَةً عَنِ الْجَنَّةِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: ٧٢] بَسَاتِينَ إِقَامَةٍ. وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهِ. وَقَوْلُهُ: {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} [مريم: ٦١] يَقُولُ: هَذِهِ الْجَنَّاتُ هِيَ الْجَنَّاتُ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِالْغَيْبِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا وَلَمْ يُعَايِنُوهَا، فَهِيَ غَيْبٌ لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدَهُ مَأْتِيًّا} [مريم: ٦١] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَعْدُهُ، وَوَعْدُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَوْعُودُهُ، وَهُوَ الْجَنَّةُ مَأْتِيًّا يَأْتِيهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُوهَا اللَّهُ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: خَرَجَ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْوَعْدَ هُوَ الْمَأْتِيُّ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي، وَلَمْ يَقُلْ: وَكَانَ وَعْدُهُ آتِيًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَاكَ فَأَنْتَ تَأْتِيهِ، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: أَتَيْتُ عَلَى خَمْسِينَ سَنَةً، وَأَتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ سَنَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الْقَوْلَ فِيهِ،