تفسير ابن أبي العز جمعا ودراسة - ابن أبي العز - الصفحة ٨٣
بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه[١].
وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، الذي فيه: "قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي" [٢].
ولكن قد رُوي من طريق أُخرى: "قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار" [٣]. وليس فيه (في ظهر آدم) وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين:
أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ، وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة.
والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه:
أحدها: أنه قال: {من بني آدم} ، ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قال: {من ظهورهم} ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال[٤]، وهو أحسن.
الثالث: أنه قال: {ذريتهم} ولم يقل: ذريته.
الرابع: أنه قال: {وأشهدهم على أنفسهم} أي جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار، كما تأتي الإشارة إلى ذلك، لا يذكر شهادة قبله.
[١] انظر المرجع نفسه (٧/٣١٤-٣١٦) .
[٢] تقدم تخريجه قريباً.
[٣] انظر فتح الباري (١١/٤٠٣) فقد قال الحافظ: "في رواية ثابت (قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار") .
[٤] انظر الدر المصون (٥/٥١١) .