تفسير ابن أبي العز جمعا ودراسة - ابن أبي العز - الصفحة ٤٩

هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [١]… عبارات السلف في ((شهد)) تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار[٢]. وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. فلها أربع مراتب. فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه، ويذكرها، وينطق بها، أو يكتبها. وثالثها: أن يُعلم غيره بها بما يشهد به، ويخبره به، ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمُرَه به.
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية، والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به. فأما مرتبة العلم، فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كان الشاهد شاهداً بما لا علم له به، قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [٣] وقال صلى الله عليه وسلم: "على مثلها فاشهد" [٤] وأشار إلى الشمس. وأما مرتبة التكلم


[١] سورة آل عمران، الآية: ١٨.
[٢] الإعلام والإخبار متقاربان. وانظر ما يؤيد كلام المؤلف في مجاز القرآن (١/٨٩) ، وتهذيب اللغة (٦/٧٢، ٧٣) ، ومعجم مقاييس اللغة (٣/٢٢١) ((شهد)) ، والبحر المحيط (٢/٤١٩) ، وعمدة الحفاظ (٢/٣٤٢) ، والنكت والعيون (١/٣٧٩) ، والجواهر الحسان (١/٣٠٢) .
[٣] سورة الزخرف، الآية: ٨٦.
[٤] أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/١١٠) بنحوه من حديث ابن عباس، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: واه، فعمرو قال ابن عدي كان يسرق الحديث، وابن مسمول ضعفه غير واحد. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٥٦) وقال: محمد بن سليمان بن مسمول هذا تكلم فيه الحميدي، ولم يرو من وجه يعتمد عليه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/١٨) بلفظ المؤلف وقال: غريب. وأخرجه العقيلي في كتاب الضعفاء الكبير (٤/٧٠) وذكر أن هذا الحديث لا يعرف إلا من طريق المسمولي. وأورده الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، ص (٢٩٠) وقال: أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ.