نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٨
و بأمر جاريه، أي راتبه، فقد كان مسبّبا، أي مقرّرا، على خزينة الأهواز [١] .
و لم ينس قاضي القضاة، أن يشدّد على أبي القاسم التنوخيّ، في النصيحة، بأن يكتم عن الناس، حقيقة سنّه، كيلا ينسب إلى الحداثة، و قلّة الحنكة.
و يقول أبو القاسم التنوخيّ، إنّ الصدفة الحسنة، أطلعت له، خلال سفره إلى محلّ عمله، شعرة بيضاء في لحيته، فأخذ يتعمّل لإخراجها، ليراها الناس، متجمّلا بها [٢] .
و كان تقليد أبي القاسم التنوخيّ، القضاء في جنوبي العراق، مبدأ صلة ربطت هذه العائلة بتلك المنطقة.
تقلّد أبو القاسم التنوخيّ، القضاء بهذه المنطقة، سنين، ثم صرف، فقصد الأمير سيف الدولة الحمدانيّ، زائرا و مادحا، فأكرم سيف الدولة مثواه [٣] ، و أحسن قراه، و كتب في معناه إلى الحضرة [٤] ببغداد، فاعيد إلى عمله، و زيد في رزقه، و ولي القضاء رئاسة، بعهد كتبه له الوزير أبو عليّ ابن مقلة، و شهد الشهود عنده، فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة، و الظاهر أنّه تقلّد القضاء بالكرخ من الحضرة [٥] .
إنّ ذكاء أبي القاسم التنوخيّ، و ألمعيّته، أيّام تقلّده القضاء في جنوب العراق، نبّهت إليه أبا عبد اللّه البريديّ، شيخ البريديّين، و كان إذ ذاك، عاملا من عمّال السلطان في تلك المنطقة، فلمّا علت منزلته، و قويت سطوته، اجتذب إليه أبا القاسم التنوخيّ، فألحقه بخدمته، و نصبه مستشارا له، و أناط به الترسّل في أموره البالغة الأهميّة، التي لا يمكن أن يعوّل فيها، إلاّ على شخص مثل أبي القاسم التنوخيّ، وافر الذكاء، عظيم الحرمة.
فقد كان في السنة ٣٢٤ رسول البريديّ إلى القائد ياقوت، حيث عقد
[١] القصة ٣/٩٣ من النشوار.
[٢] القصة ٣/٩٣ من النشوار.
[٣] معجم الأدباء ٥/٣٣٣.
[٤] الحضرة: عاصمة الخلافة و هي بغداد.
[٥] القصة: ٤/٣٩ من النشوار.