نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٨
كم بها من صدر مجلس مشروح، وسقف مرفوع وباب مفتوح، وبهو بالبهاء تراه أثرى، وإيوان يكسر بسهام قوسه جيش إيوان كسرى، وحدائق لم تنبت بالتراب، ولا جادتها أيدي السحاب، وتصاوير تحرك العارف بسكونها، وتفتن الألباب بحمرة خدودها وسواد عيونها، وتبعث الخواطر بمعانيها ومغانيها، ويكاد ماء الذهب يقطر من أعاليها، قد جل عن الترخيم رخامها، وتوفرت من المحاسن أقسامها، وابيضت وجوه مرمرها، وزادت بهجة جباهها وطررها، وتخلقت أثواب ساجها واجتمع شمل أبنوسها وعاجها، وعلت رتبة أرائكها، وغلت قيمة سبائكها، فلو ساجلها الروض لذهب مع الرياح عرفه ولو كحل بنورها الأعمى لارتد إليه طرفه:
ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسر النفس أنساً ومنظرا
فلما أحاط علمي بغوره ونجده، وبلغ رائد فكري منه غاية قصده، أدخلته في زمرة عقائل المعاقل، ونظمته في سلك ما أتكلم عليه في المحافل، وسألته عن بانيه وساكنيه فلم يجب. ثم قال بلسان الحال: كل منهم بغمام الرغام قد حجب. فحققت أن الدهر يديل كل مصون، وتلوث: " كم تركوا من جنات وعيون " وخرجت منه معتبراً، وظلت في طريقي متذكراً:
قلت يوماً لدار قوم تناءوا ... أين سكانك الكرام لدينا؟
فأجابت هنا أقاموا قليلاً ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا؟
الفصل الثامن
في الأشجار والثمار
لما صدئت مرآة الجنان، قصدت لجلائها الجنان، فطرقت الباب فقيل: من؟ فقلت: فتى لا يدري من له فتن؟ ففتح الوصيد ودنا المراد من المريد، فدخلت إليها، وما كدت أن أقدم عليها. فإذا جنة عالية، قطوفها دانية، وطلحها منضود، وظلها ممدود، وأعلام أشجارها مرفوعة، وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة.
ربع الربيع بها فحالت كفه ... حللاً بها عقد الهموم يحلل
تجوس المياه خلال ديارها، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها، وتحدق الحدق بفنون أفنانها، وتغني الوُرق على عيدانها، وتميد أدواحها على مذهب الأنماط، وتميس من الحلي في أحلى الشنوف والأقراط:
كأن غصونها سقيت رحيقاً ... فمالت مثل شُراب الرحيق
نزهة النواظر، وشرك الخواطر. كم لرقيق نسيمها من رقيق، قلبه مقيد ودمعه طليق، بها الأشجار لا تحصى، وثمار لا تعد ولا تستقصى، فمنها نخيل، مُتحفها غير بخيل، جُماره:
جسم لطيف اللمس لكنه ... قد لف في ثوب من الصوف
وطلعه:
كصدر فتاة ناهد شق قلبها ... سماع فشقت عنه ثوباً ممسكا
وبلحه:
مكاحل من زمرد خرطت ... مقمعات الرؤوس بالذهب
وبُسره:
كأنما خوصه عليه ... زبرجد مثمر عقيقا
ورطبه:
إهليلج من لجين ... مسمر بالنضار
وتمره:
يشف مثل كؤوس ... مملوءة من عُقار
وكروم كريمة، منافعها عميمة:
كأنما عنقودها ... زنج جنوا في سرقة
فأصبحت رؤوسهم ... على الذرا معلقة
أو الثريا عند الصباح، أو أوعية نور ملئت من الراح:
كم درة فيها وكم جزعة ... صحيحة التدوير لم تثقب
وتفاح سرى نشره وفاح، كأنه خمر جمد، أو جمر ما خمد، أو در جُمع معه ياقوت، أو وجنة من هي للقلوب في الدنيا قوت، نصفه من بهار، ونصفه من جلنار:
كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة ... به خد معشوق إلى خد عاشق
وسفرجل جل قدراً، وأطلع من زهره زهراً:
يحكي نهود الغانيات وتحتها ... سرر لهن حشين مسكاً أذفرا
ينوب طعمه عن الراح، ويُهدي عطر الخود الرداح:
له ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلة السقم قد كسي
وموز من نضار، كأنه أنياب فيلة صغار، أو طفل قماطه معصفر، أولفات زبد عجنت بسكر:
أو مغرم أنحله وصفره ... بعد الذي بوصله ما ظفره
وتين ممزق الجلباب، كدر القشر صافي اللباب:
كأنه رب نعمة سلبت ... فعاد بعد الجديد في خلق
ورمان بديع النظام، يبسم عن مثل حب الغمام، كأنه نهود الحسان، أو حقاق صندل حشيت بالمرجان:
حقاق كأمثال الكرات تضمنت ... شذور عقيق في غشاء حرير
في شجره جلنار أشرق وأنار:
يحكي فصوص بلخش ... في قبة من زبرجد