نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ١٠
وعذراً فإني في الثناء مقصر ... وقولي بالتقصير يبسط لي عذرا
الفصل التاسع
في الروض والأزهار
جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها، وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم أستارها:
كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها
حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ثغر نوارها:
وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض
فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب:
كالشمس شكلاً ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق
ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، والشوك سنانه وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه:
مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب
ومنه الأبيض المذهب المفضض:
كأن وجوهه لما توافت ... بدور في مطالعها سعود
بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود
ومن نرجس باسم، عرفه ناسم:
كأنما صفرته ... على بياض يقق
أعشار جزء ذهبت ... من ورق في ورق
له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، فهامت بها قلوب العشاق:
وأحسن مافي الوجوه العيون ... وأشبه الشيء بها النرجس
ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة:
والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض
ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد:
ما إن رأينا قط من قبله ... زمرداً يثمر بلورا
ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو يومىء برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها:
والبان تحسبه سنانيراً رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه:
كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت
وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا نقش في راحة ندية:
أو أعين زرق كحلن بأثمد
ومن زعفران معطر الجيب والأردان:
كأنه ألسن الحيات قد شدخت ... رؤوسها فاكتست من حمرة العلق
أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد:
يتفرى عن قانيات حسان ... مثل هدب معصفر من رداء
ومن لينوفر يألف المياه، طمعاً في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه الأمل وغربه:
كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشماع أكاليل الطواويس
أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار:
يحب الشمس لا يبغي سواها ... ويلحظها بمقلة مستهام
إذا غابت تكنفها اشتياقاً ... فنام لكي يراها في المنام
ومن آس ما لجرح محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية خضاب في كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح:
حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر
ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام:
له حسن العوارض حين تبدو ... وفيه لين أعطاف القوام