نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٦

يبدو هلالاً في سماء عجاجه ... ويريك من زرق الأسنة أنجما
أكرم بهم شجعة برزوا للكفاح، واشتملوا على أنواع من السلاح: فمن سيف يفري بحده، ويأنف من المقام في غمده. أمضى من أمس، واشرق من الشمس. ينتقل من القراب إلى الرقاب، ويدب النمل منه على الذباب. يروع ويروق، ويخفي بلمعه البروق، يتمايل كالخمائل، وينجلي في حلي الحمائل. يجتهد في إهلال النفوس، ويبتسم حيث الأجل عبوس:
ومنهد إن قابلته فريسة ... ينقض من جو القراب كأجدل
مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل
الموت كامن في غربه، والحتف قريب من قربه. إن جرد عاينت عيون الجراد، ورأيته مطبوعاً على الجدال والجلاد. وإن سل حكم بقطع الأرزاق، وطفق مسحاً بالسوق والأعناق. يرتعد لا من الخوف، ويجل فعله الماضي عن السين وسوف. لم يبرح كارعاً من موارد الوريد، تالياً: " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ".
حسام، وبتار، جراز، وصارم ... رسوب، وقرضاب، صنيع، ومخذم
قشيب، وصمصام، وعضب، ومرهف ... قضيب ومأثور، ونصل مصمم
نهيل، وهزهاز، وأبيض، قاطع ... رسول المنايا في الدماء محكم
ومن رمح مثقف، أسمر اللون مهفهف. لدن القوام، يبدل الكلام بالكلام له نصل مطعان، وسنان غير وسنان. صدق صادق مارق في المارق. يفرق الجموع ولا يفرق، ويصيب العدا بناظره الأزرق. يستوفي النفوس وهو عامل، ويضرب حاصل الكماة ولا يجامل. لهذمه ألمع من الشهاب، وكعبه أيمن من طلعة الكعاب، فعله حميد، وظله مديد. سلب اللطف من الأغصان، وتعلم الرعدة من جنان الجبان. خطار عظيم الخطر، خطي لا يخطىء في قص الأثر. طويل يقصر الأعمار، قناة تجري بدم الأذمار:
وأسمر من رشف كأس الدما ... يهتز بالشكر اهتزاز الطروب
يبسط في الإشراق بسط الردى ... ويقبض الأرواح عند الغروب
ومن قوس حنانة، سحائب سهامها هتانة، تطلع كالهلال في سماء الرهج، وتسبح في الهواء سبح النون في اللجج. ضروح تسكن الضريح، عطوف لكن لا على الجريح، تبهر بأبهرها العيون، وتبلغ المنى برسل المنون. لها يد تمنح جميل الأيادي، ورجل تسعى في قتل الأعادي. تضم شمل أولاد نوافر، يصلن بلا أنياب، ولا ظوافر. ذوو أجنحة تروع السباع، مثنى وثلاث ورباع.
عطوى مروح، تريح المنبضين لها ... هتانة لفراق السهم مرنان
أولادها تدرك الأغراض عن كثب ... وناظر السيف قد أخفته أجفان
ومن ترس عنتر، يفل به حد الأبتر. جنة واقية، ومنة باقية. جوب يجوب حرة الحرب، ولا يمل من ملاقاة الطعن والضرب. بريء من الختل والختر، معروف بالحماية والستر.
لله جَنة جُنة ... لا يجتليها من طغى
من حل تحت ظلالها ... أنجته من نار الوغى
ومن بيضة حسن ملبسها، وزاحم الفلك قونسها، وصفها بديع، وحرم حماها منيع. الرؤوس بها محفوظة، والنفوس بعيونها ملحوظة، تعلو على المفارق، وتطرق لهيبتها أجفان الطوارق.
يا رائد الحرب تقنع، واقتنع ... بمغفر أحسن به من مغفر
سامي الذرا عالي الجناب مانع ... ذمامه يوم الوغى لم يخفر
ومن درع ستور، روض وشيها منثور، مضاعفة دلاص، منجية يوم لات مناص، فضفاضة مسرودة، ألوية النصر بها معقودة. كأنها سراب بقيعة، أو حباب يطفو على شريعة، أو سلخ أفعوان، أو لهب نار لم يشب بدخان. تنظر بعيون الجنادب وتصبر على وخز العوالي والقواضب.
يا رُب سابغة حبتني نعمة ... كافاثها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند
ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها.