نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ١٤

وسوقٍ جمد ماؤها، وبهر الأعين ضياؤها. مشرقة النور، قصبها من بلور:
لو لم يكن من برد ساقها ... لاحترقت من نار خلخالها.
وأقدام لها على الفتك إقدام. تمشي كالقطا ولا تخطىء قياس الخطا:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة، لا ريث ولا عجل
وعليها من الحلي والحلل، ما يفتن العقول ويدهش المقل. فمن در ثمين كثغرها، وبلور صافٍ كصدرها، وعقيق كشفتيها، وياقوت كوجنتيها. وسبج كأجفانها، وزمرذ كنقش بنانها، وقميص رقيق الحواشي، ومطرف يحار في وصفه الناشي:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول
فلما أنست بالقوم، كفّت عنها لسان اللوم، وظهرت عن خلقٍ وسيم، وطباع ألطف من النسيم، ومنادمة تطرب الأسماع، ومداعبةٍ ما الصبر عنها بمستطاع، وملحٍ ألذ من الزلال، وحديث لو لم يجن قتل المحبّ لقيل هو السحر الحلال.
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنها لم توجز
والسعد يطلع نجمه، والشمع واقف في الخدمة. وعرف الطيب يفوح، وأعلام الهناء تلوح، وشمل الضد مفرق، والعود يحرك ويحرق. يا له ليلة محي ظلامها ونور الأفق ابتسامها، وحليت عروسها، وطلعت حارقةً للعادة شموسها. لم ير فيها ما يشين ويعيب، سوى أنها أقصر من جلسة الخطيب.
ولم نزل في بشر وافر، وسرور متواتر، نجتلي وجوه الأفراح المتتابعة، ونجتني من الوصل ثماره اليانعة، إلى أن صاح العترفان، ولا في المشرق ذنب السرحان. فعزمت الجارية على الذهاب، وأمرت بإحضار الإزار والنقاب. فقمنا إلى موقف الوداع، وتشتت الشمل بعد الاجتماع:
وكان الدمع لي ذخراً معداً ... فأنفقت الذخيرة حين ساروا

الفصل الثاني عشر
في الشمعة والنار
جلست مع بعض الأصحاب، في ليلة حالكة الجلباب، ماؤها جامد، وهواؤها بارد، وطلها متناثر، والماشي بها في ذيله عاثر. نجري ذكر أهل البراعة، ونعد مناقب فرسان أهل اليراعة، ونورد أخبار أرباب اللسن، ونروي عنهم كل حديث حسن:
قوم بهم شرف الزمان، كلامهم ... شرك النفوس وعقلة الأحداق
أشخاص صرفت، ولكن ذكرهم ... أبداً على مرّ الليالي باقي
فبينا نحن نجول في ميدان المحاضرة، ونحقق النظر في وجوهها الناضرة، والليل قد روق، وشراب المنادمة مروق، لمحت في المجلس شمعة، وقفت في الخدمة وأجرت الدمعة، جسمها نحيل، ومحيّاها جميل، قامتها قويمة، ودرّة تاجها يتيمة. تحرقها أنفاسها، ويوبقها نبراسها. كاسية عارية، تخجل بضوئها الجارية:
مفتولة مجدولة ... تحكي لنا قد الأسل
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
أو نبل نصله ذهب، أو حية لسانها لهب، أو وردة على قضيب، أو محب أسهره بعد الحبيب، أو لينوفرة، أو سبيكة معصفرة، أو غرة في وجه أدهم السدف، أو كوكب أرخى ذؤابته ثم وقف:
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها
يخوض في لجة الدمع طرفها القريح، وتلعب بلهب قلبها الجريح يد الريح، فتطلعه نجماً، وترسله سهماً، وتحركه لساناً، وتنشره طيلساناً، وتضربه ديناراً، وتصيره جلناراً، وتصوره سوسناً، وتصوغه إكليلاً تبره ذو سناً، وتعطفه كالهلال السافر، وتنصبه أذن جواد نافر، وترفعه كالسنان، وتقيمه أنملة في بنان، وتبسطه كالمنديل، وتميله سلسلة قنديل، وتخطه ألفاً مستقيماً، وترسمه نوناً أو جيماً. واستمرت مولعة بشخصها، ساعيةً في نقضها ونقصها، حتى فني عمرها، وانفصل أمرها، وانحل عقدها، وعز على الجماعة فقدها:
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
وكان في المجلس كانون، يلقي فيه العود بغير قانون، يضم ناراً ذات لهب، له شرر شذره من ذهب، همتها علية، ومرآتها جلية. تعلو على الرماح في المواكب، وتزاحم الكواكب بالمناكب. فاكهتها في الشتاء محبوبة، وأعلامها للاصطلاء منصوبة، وهي بقضيب الأبنوس لا بجزل الغضا مشبوبة:
كلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالةٍ حمراء