نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ١١

ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه نهاراً ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟
كأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحاً وينشرها في ظلمة الغسق
ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس:
كأنه ملاعق من ورق ... قد خط فيها نقط من عنبر
ومن خزامى، قدره لا يسامى. يسكن المنازل العلية، ويرفل في حلته اللازوردية. يا لها حلة فاخرة، وحلية باهية باهرة:
لو حواها الطاووس أصبح لاشك ... مهنا بملك طير الهواء
ومن أقحوان، جمع في مفرده القمران.
كشمسة من لجين في زبرجدة ... قد أشرقت حول مسمار من الذهب
ومن آذريون، أظهر القطر سره المكنون:
كأنه أغصانه فيروزج بهج ... من فوقه ذهب في وسطه سبج
أو مسك في جام من ذهب، أو فحم أحاط به اللهب:
تراه عيوناً بالنهار نواظراً ... وعند غروب الشمس أزرار ديباج
ومن بهار، يبهر بحسنه الأبصار:
كسواعد من سندس وأكفها ... من فضة حملت كؤوس عقار
ومن شقيق، أين منه المرجان والعقيق؟
كأنه وجنات أربع جمعت ... وكل واحدة في صحنها خال
ومن ومن ومن، إشارة فتى بالعجز عن الحصر قمن.
فلما تأملت محاسن هذه الروض الأنيق، ونظرت إلى ما فيها من النبات بعين الحقيقة، شكرت أيادي صانعها، ولجأت إليه وأثنيت على صائغها، وإن كنت لا أحصى ثناء عليه، وقلت تعظيماً لأمره: " وما قدروا الله حق قدره ". وانشرح صدري بالوقوف على مغانيها، وجاد فكري حيث جال في معانيها، وامتلأ قلبي من نورها نوراً، وانقلبت إلى أهلي مسروراً.

الفصل العاشر
في وصف الغلام
بينما أنا جالس في بعض الحدائق، وحولي رفقة هذبتهم الحقائق، وحسنت منهم الأخلاق بين الخلائق، مر بنا غلام يخجل بدر التمام، من بني الأتراك، الناصبين مصائد الأشراك، بديع الجمال، أين منه الغزالة والغزال؟ لطيف الشمائل، يختال بين الخمائل، تمتد لرؤيته من الزهور الأعناق، وتستتر الغصون حياء منه بالأوراق. وهو ممتط صهوة جواد أشهب، لا يبلغ البليغ حصر وصفه ولو أسهب:
ساحر الطرف وافر الظرف أحوى ... خده الأبيض اللجين مذهب
لا تلمني على اعتقادي هواه ... مذهب الوجد فيه أحسن مذهب
فلما حاذى مثوانا، حيانا فأحيانا. فتلقيناه بالترحاب، ودعوناه فأجاب، فحصلنا من حضوره على المقصود، وتحققنا أن يومنا بمشاهدته مشهود. فأطلت في محاسنه نظري، وأجلت في ذاته وصفاته فكري، فإذا له ذؤابة تذيب المهج، وتدرج في حبائلها من دب ودرج. ظلها وارف، وظلامها عاكف، تسلب العقول بالأثيث الأثيل، وتسهر العيون في ليلها الطويل. حندسية العذب، غزيرة الفضل والأدب:
إذا ما تثنى للسلام مليكها ... على أحد دارت وقبلت الأرضا
ووجه وسيم، تعرف فيه نضرة النعيم، يفوق سنا القمر، له خفير من الخفر، رقيق البشرة، تحار عند إسفاره السفرة، نزهة المشتاق، ومرآة لوجوه العشاق:
محيا به المقتول يحيا وكم له ... على وجنة العاني من الدمع جعفر
وجبين، منقطع القرين، واضح كالصباح، صلت تُصلت دونه بيض الصفاح:
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وحواجب، دم عاشقها مباح وقتله واجب، كأنها قسي موتورة. أو نونات في صحف اللجين مسطورة:
قد وليت إمرة أمثالها ... وحاجب الشمس لها حاجب
وعيون يا لها من عيون، قد جمعت بين المنى والمنون، تقتل وهي لاهية، وتسكر وهي صاحية، وتصول وهي كانسة، وتسهر وهي ناعسة. نفاثات في العقد، لا يسلم من سحرها أحد:
لحظاتها كم أرهفت من أبيض ... والجفن منها مثل حظي أسود
وصدغ معقرب، لكنه لرقيه السليم باب مجرب. بعيد من القطف، كأنه واو العطف، أو جيم محكمة العوج، أو منجل صيغ من سبج:
صدغ أعاديه أبدوا ... من عيبه ما حلا لي
ذم العناقيد جهلاً ... من لم يصل للدوالي