نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٢

ومن دب مختلف الطباع، يأكل مما تأكله الدواب والسباع. بعيد مقترب، مغرى باللهو واللعب. كثير الشهوة، قليل الغيرة والنخوة. يقبل التعليم والتأديب، ويأتي من بحر فطنته بكل عجيب:
وذي وبر قوي مصلخد ... تراه يدب ما بين الدباب
له ظفر إذاً ما عن صيد ... له ظفر وناب غير نابي
ومن ضبع حضاجر، كنيتها أم عامر. موصوفة بالعرج، تفترس من دب ودرج. تشتهي السفاد، وتميل إلى الفساد، وتخرج من الوجار، ولا ترعى حق الجار ولو أجار.
صنعنا جميلاً قابلونا بضده ... وهذا فعال الخائنات الفواجر
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يجازى كما جوزي مجير ام عامر
ومن ذئب أطلس، عمر وعسعس، يسطو بأنياب حداد ويألف الوحدة والانفراد. الغدر له شيمة، والغنم لديه غنيمة. صبور على السفر، شديد الخوف والحذر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
ومن ثعلب رائغ، زائل عن الطريق زائغ. وافر المكر والحيل، يضرب بخديعته المثل. حسن اللباس، يرتدي بالسندس والقرطاس. يحب الدجاج والحمام، وربما أوقعه في شرك الحمام:
يطير قلب الطير في وكره ... مخافة من نابه النابل
لكنه يلقى الردى بعدها ... كم أكلة أجنت على الآكل
ومن هر يسبق الهرهور حاد الناب والأظفور. عيناه كالزجاج، ومرطه كالديباج، أخنس الأنف لطيف محل الشنف. يقعي إقعاء الأسد، ويلوي من ذنبه حبلاً من مسد:
وهر أهرت الشدقين ضار ... له حسن بديع غير خافي
بكعبة ربه كم طاف سبعاً ... ويغسل وجهه قبل الطواف
ومن نمس كميت اللون، ماللطير والثعبان منه صون. صائل صائد، ظهره عظم واحد. طويل الخطم قصير اليدين، ليس له سوى صماخين من الأذنين:
وظربان يألف الظرابا ... ويقنص الحسول والضبابا
جلدته كالقد في قوتها ... لا يقطع السيف له إهاباً
ومن سنجاب أبلق، بطنه أبيض وظهره أزرق. يأوي الأشجار العالية، ويسكن الأماكن الخالية، جميل الملابس، حسن اليلامق والقلانس:
لله سنجاب بر ... ذو ناظر كالشهاب
في الدوح يعدو ويبدو ... كقطعة من سحاب
ومن فيل، له خرطوم طويل، يشبه الصولجان، ويحكي في تلويه الأفعوان. وأذنان كالترسين، تحتهما نابان كالرمحين. عقبة كؤود، شديد الغيرة حقود، يرتاح إلىالطرب، وينخرط في سلك العجب:
وهندي كطود مشمخر ... ذكي القلب يفهم ما يقول
لقاء العسكر الشاكي عليه ... يهون لأن منظره يهول
ومن كركدن كالجاموس، تنفر منه الخواطر والنفوس، قوته شديدة، وأسلحته عتيدة عديدة. له اختيال في مشيته، وقرن غليظ في جبهته، يظهر بأرض الهند والحبشان، فيخضع هيبة له سائر الحيوان:
وكركدن كدن ... في خلقه عجائب
له سلاح حاضر ... والعقل منه غائب
ومن زرافة، حازت أنواع اللطافة. بردها بالوشي ملمع، وقرنها بالسبج مقمع، طال جيدها جداً، وجاوز غضب عجبها حداً. عالية الصدر منحطة المآخر، جميلة الأوصاف والمفاخر:
نوبية المنشا تريك من الطلا ... روقاً ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فنخالها للتيه تمشي القهقرى
ومن مها ثمر حسنها قد زها. عنقاء مبهر، خدها مضمخ بالعنبر. تفتن العقول بأحداقها، ويعز على القلوب غداة فراقها:
عيون المها على ذي صبابة ... صبور على الهجران ليس يحول
يحن إلى سلع ونجد وحاجر ... منازل فيها صحبكن نزول
ومن أيل ضباضب، يحمي من قضب شجرتيه بالقواضب. يأكل الأفاعي، ويحسن في تحصيلها المساعي. يشتغل بالصفير والطرب، فيشتغل بنيران العطب:
متشعب القرنين يدعى أيلاً ... من دمعه بادزهر الحيوان
ومن فرا ليس في حسنه مرا. كل الصيد في جوفه، لا يستقر على الثرى من خوفه. يميس في برده القشيب، ويطول عمره ولا يشيب:
شغلته لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهن كمي