نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ١٣
فلما وصلت إليه، وانتظمت في سلك المجتمعين لديه، ظهر لي أنه متشوف إلى قادم، ومتشوق إلى حضور منادم: فكشفت الخبر وتقمصت الأثر، فقيل لي إنه واعد بعض الحسان، وهو منتظر إياب الإحسان. فما أتممت الكلام واتصلت من العلم إلى المرام، إلا وقد أقبلت من الباب، خود تختلس الألباب، غادة رؤود طفلة أملود. كاعب رداح، ترتاح لها الأرواح. عديمة المثال، نشأت في حجر الدلال. يسرح الطرف في روض جمالها وينتزه، وتمحو بكثير محاسنها البديعة ذكر عزة، في حليها وحللها تميد وتميل، وبالجملة فهي بثينة الحسن لأن وجهها جميل.
فوقفت واستأنست، ثم سلمت وجلست، فسر الجماعة بورودها، وتملوا من جنة وجنتيها بورودها. وأقبل يمن إقبالهم، وأنشد لسان حالهم:
أهلاً وسهلاً من غادة سمحت ... بالوصل ليلاً ولم تحذر من الحرس
لما تبدت أضا الداجي، ولا عجب ... فطرة الصبح تمحو آية الغلس
فلما كشفت القناع، وصدق النظر السماع، تأملت أوصافها، وسبرت شمائلها وأعطافها، فرأيت ما يشرف النظر ويشنف السمع، ويذيب القلوب على ناره ذوب الشمع. فمن فرع نامي الأوراق، مرسل لتعذيب العشاق، جثل أسحم يتلوى كالأرقم، غدائره مجمدة كالغدير، وضفائره مظفرة بقتل الأسير:
كأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ووجه مشرق الأنوار، تحج إلى كعبته الأبصار. يزين اللآلىء والدرر، ويستمد من ضوئه الشمس والقمر، مرآته صقيلة، ومعاني حسنه جميلة. يترقرق فيه ماء الصبا، ويخفي من لمعه بروق الظبا:
عوذت بالسور المنيرة وجهها ... وهو الجدير بأن يكون معوذا
وجبين واضح، تحن إليه الجوارح، يتلألأ مصباحه، ويتبلج في ليل الطرة صباحه:
فتاة يسر القلب والطرف حسنها ... كأن الثريا علقت في جبينها
وحواجب تذيب المهج، وتجذب الأرواح من قسيها بقبضة البلج كأنها هلال محني القوام، أو فخ نصب لصيد أهل الغرام:
إذا شمت تحت الحاجبين جفونها ... ترى السحر منها قاب قوسين أو أدنى
وعيون بابلية، كم أوقعت لمن إليها صبا بلية، تسل السيوف، وترسل الحتوف، صحاح مراض، ليس لسهامها سوى القلوب أغراض:
لله أي لواحظ غلابة ... للأسد في وثباتها وثباتها
وخد كالجلنار، قد جمع بين الماء والنار، يشف الراح في زجاجه، ويهتدي الحائر بنور سراجه. يزهو بورده الأحمر الطري، وأظنه من دم المحبين غير بري:
تركية للقان ينسب خدها ... واشقوتي منها بخد قاني
وخال يختال في أحلى الحلل، له من الأقراط والشنوف خول. كأنه من الدائرة قطبها، ومن القلوب المتقلبة على نار حبها:
فتنت بخال فوق خدك صانه ... أبوك فويلي من أبيك وخالك
ومرشف عذب الأرياق، رضابه لسليم الهوى نعم الدرياق. فيه ماء مبرد، وثغر جوهري صحاحه منضد، ولعس يهيم به ذو الشوق، وشهد يشهد بحلاوته الذوق:
وبه شراب مسكر ما ذاقته ... لكنني أروي عن المسواك
وعنق كعنق ريم، در عقوده نظيم. يطوف الحلي بأركانه، ويملك الرق بورقه وعقيانه:
وجيد جداية لا عيب فيه ... سوى منع المحب من العناق
ونهود كالعاج، ملتحفة بمروط الديباج، رفيعة المنار، شغلت الحلي أن يعار. إن ثنيتها لم تجد عندها عطفاً لمرتاح، وإن لثمتها نشقت من الرمان عرف التفاح:
كحقين من لبّ كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
وبنان رطيب، على مثله يدور الخطيب، مقبل بالأفواه، مصافح بالجباه، فضّيّ الإهاب، مرقوم بالخضاب:
فما أعذب السكب من أدمعي ... وأحلى المشبك من نقشها
وقوام يقيم الحروب، ويثير كرّ الكروب. كامل الحسن مهفهف، وافر الدالّ مثقف. الرماح تخضع لديه، والأغصان تسجد بين يديه:
وقد روت عن لينه واعتداله ... صحاح العوالي مسنداً بعد مسند
وخصر نحيل، يشكو من ردفها الثقيل. ليس فيه حظ للمجتني لو سألتها عنه لقالت فني:
عيون الناظرين به أحاطت ... فلم تحتج إلى عقد الوشاح
وأردافٍ كالأحقاف، وعدها موسوم بالإخلاف، خارجة عن العادة، لكن فيها للمحبين الحسنى وزيادة:
تمشي بأردافٍ أبين قعودها ... بين النساء كما أبين قيامها