نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٠
غرة مرة، ونور ليس معه مسرة. يبلي الجديد، ويصيد الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره:
وأي وقار لامرىء عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب
ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق:
للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب
فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئاً بعد ثلاث يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟
تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب
فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد سيف عدلك في الحد:
لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل
يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا يمكنه رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل:
لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب
ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب
وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم.
؟ الفصل الثامن عشر
في الخيل والإبل
وفد علي يوماً ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك.
فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طُلب سبق. طِرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة متنه. بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال. لايخطر معه " الخطار " ولا تعلق " الغبراء " له بغبار. يهدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك.
ومن أدهم غربيب، لا يعلم أجنوب هو أم جنيب. يسبق السيل في السير، معقود بناصيتها الخير، ينساب كالثعبان، وينعطف انعطاف السرحان. زاد على " زاد الركب " وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن دسيعه وتليله ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله.
ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب. الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب، متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لين شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت " أعوج " ثم يعوج متهكماً عليه.
ومن كميت طاب عرفه، واسود ذنبه وعرفه. أسيل الخدين، بارز النهدين، عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت كل عضو منه وردة كالدهان. يجد السير في حزن الفلاة وسهلها، ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها.
ومن أصفر لونه فاقع، كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع، ينتمي إلى الحبشان، ويعبر بلونه الزعفران. الدجا على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض. يتجلى في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية. لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب.
ومن أخضر حسن وشياً، وراق للعيون جرياً ومشياً. زرزوري الإهاب، يجمع بين الشيب والشباب. زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر؟ يظهر عجز " مكتوم " وتخمد عنده جمرة " اليحموم " يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض.
ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه. طويل الحزام والذيل، وهامته من الصباح وشامته من الليل. يمرح في جلالة جلاله، ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله. ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق " الفياض " في موجه، يسبق النعامى و " النعامة " وينظر بعيني زرقاء اليمامة:
جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران