نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٣٣
إن التي يدعونها الحمى على ... أسد الشرى، وكذا النسيم عليل
وأنا أحمد الله على لبسه أثواب الصحة، ودخوله من العافية منزلاً مهد البرء صرحه. وأسأله أن يفيض عليه سحائب نواله الزائد، ولا يحوج شخصه المغرى بالصلة إلى عائد. ثم إنه جاءني بعد حين، وأساريره تخبر أنه من الفرحين. فقال: إن رفيقي ولي الوزارة، فهل من رسالة تسفر عن حسن السفارة؟ فقلت له اكتب: أيد الله مولانا الوزير، وأفاض على الكافة فضله الغزير، وهنأه بهذه الرتبة التي أوضح وجه مذهبها، وبلغها بتحرير قلمه المهذب نهاية مطلبها، وأنمى بتدبير أحوالها، وقرر على القواعد المرضية أحوالها:
فلم تكن تصلح إلا له ... ولم يكن يصلح إلا لها
هذا ما كانت تنتظره النواظر، وتشهد بوقوعه خطرات الخواطر، وأسند الأمر إلى أهله، وأجلب الخير بخيله ورجله، وأصاب الدهر فيما أمضاه من فعله، وانتهت القوس إلى باريها، وتمكنت الرعايا بعرا أمانيها، وزفت عروس الوزارة على كافلها وكافيها. ما أحق هذه البشرى بأن تبدي الرياض من ورودها لورودها نشراً، وتميد الأغصان وتميل، ويتخلق الكون بزعفران الأصيل، ويتقلد الأفق بعقود نجومه الزواهر، وتنطق بشكرها ألسن الأقلام من أفواه المحابر:
سرت بك الدنيا وسكانها ... وامتلأت بشراً صدور الصدور
وأجرت الأعداء سحب البكا ... للحزن وافترت ثغور الثغور
فالحمد لله ثم الحمد لله، والشكر له على ما أولاه، من إسباغ نعمه المألوفة، ومعروف أياديه المعروفة، وإليه الرغبة في إدامة سروره المتوالي، وإدارة فلك سعده على ممر الليالي.
ثم إنه قدم إلي بعد أيام، وقال: إن الوزير بشر بغلام، فأمل علي زادك الله رفعة، ما أشنف به من الهناء سمعه، فقلت له: أكتب: أهلاً بطلوع نجم السعادة، ومرحباً بظهور هلال السيادة، غصن الشجرة الوارف ظلها، العالي في جنات الفضائل محلها. أكرم بها من شجرة أصلها ثابت، وفرعها النامي كل طرف إليه باهت. تؤتي أكلها كل حين، وتمنح برها الغادين والرائحين.
ياله مولوداً راقت نضرته، وتبسمت من خلال المكارم زهرته، واهتزت لقدومه قدود العوالي، وارتاحت لمورده نفوس المعالي، واستشرفت له صدور المحافل، وتهيأت لخطبته عقائل المراتب والمنازل، فتهن به أيها الوزير، وتمل بمشاهدة صبحه المنير:
وابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظ بتخليد السرور زعيم
لا زالت التهاني بكعبة حرمك طائفة، ولا برحت المسرات على جنابك متضاعفة، ودمت راوياً حديث الجود عن أصلك بإسناده، جامعاً بين كرم طارف نجلك ويمن تلاده:
وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده
فلما فرغت من نقشها، وتأمل محاسن رقشها، نشر أعلام الثناء والشكر، وتمايل طرباً كالثمل من السكر، واعتذر من التثقيل، واستعفى من القال والقيل. ثم ودعني وبان، ولم اجتمع به إلى الآن.
الفصل الثامن والعشرون:
في الرثاء
مات لمن يعز علي ولد، لم يبلغ من فصاله منتهى الأمد. وكنت أستحليه واستجليه، إذا حصل الاجتماع بيني وبين أبيه، فأكثر - وهو معذور - من الوجد عليه، فكتبت على سبيل التعزية إليه:
برغمي أن أعنف فيك دهراً ... قليلاً فكره بمعنفيه
وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه
الدنيا مد الله في عمرك وصبرك، ومحى آية الحزن من صحيفة صدرك، دار تمكر بسكانها، وتغدر بأهلها وجيرانها. كم أفنت قروناً، وأسخنت بالبكاء عيوناً، ونثرت عقداً، وأضرمت وقداً، وأخلقت جديداً، وأخذت من والد وليداً، وفرقت شمل الأحباب، وألبست الأتراب أردية التراب:
وكم قد روعت قلباً ... وساقت نحوه حزنا
وملت بعد أن مالت ... وأذوت بالردى غصنا