نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٩

فالتم يبدو في لباس يقق ... كأنه مركب من ورق
في الرأس منه نقطة تحكي السبج ... من الرماة نحوه تصبو المهج
والكي شيخ أبيض جلبابه ... معلق في عنقه جرابه
منقاره كحربة من أسل ... وظهره محدب كالجبل
وللإوز نغمة الأوتار ... إذا بدت تختال في المطار
فضية منقارها من عسجد ... يا سعد في حبي لها كن مسعدي
واللغلغ المسكي كالإوز ... في الحسن والوصف وفرط العز
لكن له مثل اللجين غره ... تدني لمن يصرعه المسره
وحبذا الأنيسة الملونة ... لباسها المنقوش ياما أحسنه
يبكي عليها الصب بالدموع ... لأنها عزيزة الوقوع
خذ يا أخا الرمي صفات الحبرج ... يحكي القطا في لونه المدبج
يألف أيام الربيع الزاهره ... فيجتبي ويجتلي أزاهره
والنسر راميه شديد الأسهم ... لأنه عال كنسر الأنجم
أقرع ذو مخالب حداد ... يذكر عصر تبع وعاد
وبعده وصف العقاب الكاسره ... تلك التي للوحوش تغدو آسره
مغبرة ظافرة، أظفارها ... بالصيد أدنى الردى منقارها
قم نجتلي الكركي تحت الشفق ... فقد بدا في ثوب خز أزرق
ومد جيداً ياله من جيد ... وأطرب الأسماع بالتغريد
إذا بدا الغرنوق في الفضاء ... شبه بالغمامة الدكناء
كأنه الكركي في لباسه ... سوى سواد عنقه وراسه
والضوع مبيض شبيه الفلق ... أطراقه مصبوغة بالعلق
يختال في الحمرة والبياض ... كخد من قد زاد في الإعراض
ومرزم يا حسنه من مرزم ... كأنه قد خاض في بحر الدم
أبيض وضاح طويل العنق ... راميه قد فاز بفضل السبق
وتلوه السبيطر المسموم ... أبيض ضخم وصفه معلوم
يسكن في الأماكن العليه ... وطعمه الحية والسحليه
وأقبل العناز بعد الجمع ... أسود ذا صدر كضوء الشمع
قد جمع الضدين صبحاً ودجا ... من يرمه يعد من أهل الحجا
وهذه تكملة الأطيار ... أعني طيور الواجب المختار
ترفل في محاسن الملابس ... وتنجلى في الطرس كالعرائس
كأنما تنظرها حقيقه ... سابحةً في غدرها الأنيقه
لا زلت ترمي الطير والأعادي ... بأسهم ذي ألسن حداد
ودمت تلقى السعد في مسيركا ... حتى تعد الكل من طيوركا
ما سهر الليل رماة البندق ... وقبل الطير خدود الملق

الفصل الرابع والعشرون:
في الكرم والشجاعة
مررت ببعض أحياء العرب، في يوم طما بحر آله واضطراب، فلمحني شخص من بعيد، حوله جماعة من الخدم والعبيد. فأرسل واحداَ منهم في طلبي، فلما دنوت منه رحب بي وأحسن منقلبي، ورفع قدري ومنزلي، وأعذب موردي ومنهلي. وأعز جانبي، وأترع مشاربي. وأجزل نولي وعظم قومي وقولي. وأتحفني باللطائف، وأمدني بكل ساعٍ من البر وطائف. وأضرم نار القرى، وسقى بدماء البدن ظامئ الثرى. ومنحني من الجود بأنواع مختلفة، وأسدى إلي المعروف من غير معرفة، وعقر النعم، وغمر بالإنعام، وتجاوز الحد في الكرم والإكرام. وعم بفضله البسيط وإحسانه الشامل، وآلى أن لا أرحل عن حيه مدة شهر كامل:
وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا
وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا