نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٨
جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما:
شغل الطيور بحسن منظر وجهه ... فتوقفت فأصابها بالبندق
وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة:
في غدوة ومصبح ورواجع ... ومصوغ وخوارج وعشاء
بأيديهم قسي قدودها رشيقة، وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، أو مناجل لحصاد أعمار الطيور.
حوامل إذا دنا نتاجها ... تقذف من أكبادها كواكبا
ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى:
تهوي إليهم وتأتي ... من كل فج عميق
يا حسن بدر منير ... يسعى لصب مشوق
فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة:
نزه الطرف يا أخا الظرف ليلاً ... في طيور أحسن بها من طيور
فوق وجه الماء تسعى وترعى ... كنقوش قد خيلت في ستور
عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب عن الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلاً أسرع ما يكون، فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحاً بتحصيلها مائداً وحملها من كان له شاهداً، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه على وجه جميل:
كم طائر للأرض أمسى واقعاً ... بنجم قوس للسماء قد سما
من حيث لا يشعر يأتيه الردى ... فاعجب له من صامت تكلما
لم يدر من أين أصيب قلبه ... وإنما الترامي درى كيف رمى
فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، أثنيت على من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشراً وصف المواقف والأطيار قائلاً على سبيل التشوق والتذكار:
ياصاح قم نسعى إلى الأملاق ... فنحوها قد ذبت من أشواقي
الله ما أحلى حلى أوقاتها ... وأملح الولدان في جناتها
والجو يجلى في ثياب دكن ... يستلب اللب بفرط الحسن
السحب قد تتابعت وفودها ... وانفرطت على الربا عقودها
وروضة الأنس يفوح طيبها؟؟؟؟؟ ... وينثني في دوحها رطيبها
ونغمات الطير بالألحان ... تغني عن الجنوك والعيدان
أحسن بها يا سعد من أطيار ... تلوح كالأنجم للأبصار
تخالها إذا سجا جنح الغسق ... كأسطر خطت على وجه الملق
من وارد وصادر، وواضع ... وناهض، وطائر، وواقع
أبيض كالصبح إذ تبلجا ... وأسود محلولك يحكي الدجا
وأخضر مدبج اللباس ... وأزهر يزهو على النبراس
مختلفات في الحلى والشكل ... عن حصرها يعجز أهل الفضل
لكنها جليلها معروف ... وهو لدى أربابه موصوف
فهاكها بعد عشر أربع ... كعمر بدر التم حين يطلع
قد جمعت أوصاف كل طائر ... مبينات المجد والمآثر