نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٤
ودراج تبدى في قميص ... نضير الزهر زهري أنيق
فصوص بنفسج في ياسمين ... وريحان تشقق عن شقيق
ومن حجل يعاقيب عليها ... مروط أشبهت لون الدبيق
لها طرف تركب من نضار ... ومنقار تكون من عقيق
ومن قطا، ياله من قطا، حسن المشي متقارب الخطا، جيده مطوق، ومبسمه بالزعفران مخلق. منقوش الإزار، كأنه عب من كأس عقار. جناحه مخضوب، وصدره بماء الذهب مكتوب. ومن يمام، يفي بالعهد والذمام، مشهور بالسجع، معروف بالذهاب والرجع. يألف الرياض ويرفل في ثوب فضفاض. يؤدي الأمانات إلى أهلها، ويتحرى في رواية الأحاديث ونقلها:
ومن هزار كامل المعاني ... حلو الحلى منطلق اللسان
تراه إن غنى على العيدان ... يطرب ما لا تطرب المثاني
وبلبل بلبل قلب العاني ... حلته من أسود الجنان
قام خطيباً في ذرا الأغصان ... يأمر بالعدل وبالإحسان
ومن ورشان، يودع المسامع أطيب الألحان. نوبي الدار، علي المنار. شهي التغريد، معبدي الأناشيد. يحسن الأنغام، ويغري الخلي بالوجد والغرام.
ومن قمري أخفى القمر، كم نهى على منبر الأيك وأمر. ساجع مطراب، إعجامه لذي المعارف إعراب. أشهل العيون، وفي جيده من خط القلم نون. يستديم شكر الدائم، ولا تأخذه في التسبيح لومة لائم:
وفواخت كدرية أطواقها ... مسكية والطرف منها أسود
طوراً تفوح على الغصون لفقد من ... تهوى، وطوراً للوصال تغرد
وغراب تغريب فصيح أعجم ... داجي الإهاب مقامه لا يحمد
يهوى نوى أصحابه فإذا نأوا ... أضحى مقيماً بالديار يعدد
فيالله من واد أنبت السرور، وحوى أصنافاً جمة من الطيور، لا أجمع بين أشخاصها وأسمائها، ولا أتحقق شيئاً من أحوالها وأنبائها. فسبحان المتكفل بأرزاقها، المباين بين طباعها وأخلاقها. فلما سبرت سر الوادي، تطلعت إلى طلعة شمس بلادي، فلويت زمام الراحلة، وودعت من الطير نجوماً غير آفلة، قائلاً: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأوطان، تالياً: " أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ".
؟ الفصل الحادي والعشرون:
في الكتابة
الكتابة ألهمك الله معرفة فضلها، ولا حرمك نفع صداقة أهلها، أشرف الوظائف والمناصب، وأرفع المنازل والمراتب، وأفلح صناعة، وأربح بضاعة. قطب دائرة الآداب، وصدر أسرار الألباب، ورسول صادق، ولسان بالحق ناطق، وسيف تحد بحده المعارف، وميزان يميز التالد من الطارف، تلحق خبر الحاضر بالغائب، وإليها تنتهي الآمال والرغائب. بها تتم النعمة، وتفصل شذور الحكمة. تبرز إبريز البلاغة، وتصوغ لجين الكلام أحسن صياغة. لطف حواشي رقاعها محقق، وجدولها المسلسل على الريحان يتدفق. قد تحلت بصحة الوضع والتركيب، وحلت بما حكت من أعضاء الحبيب: فاللام والألف كعذاره وقده. والجيم كصدغه المعقرب على خده. والصاد والنون كعينه وحاجبه. والميم منه النائي عن رائد ورده بجانبه:
لا تعد عن فن الكتابة، إنها ... مغنى الغنى ومفاتح الأرزاق
واخش اليراعة وارجها فهي التي ... عرفت بنفث السم والدرياق
والكتاب عماد الملك وأركانه، وعيونه المبصرة وأعوانه، وبهاء الدول ونظامها، ورؤوس الرياسة وقوامها. ملابسهم فاخرة، وشمائلهم لطيفة، ونفوسهم شريفة. مدار الحل والعقد عليهم، ومرجع التصرف والتدبير إليهم. بهم تحلى العواطل، وتبتسم ثغور المعاقل. مجالسهم بالفضائل معمورة، وبندائهم أندية القصاد مغمورة. يهدون إلى الأسماع أنواع البديع، وينزهون الأحداق في حدائق التوشيح والتوشيع. هم أهل البراعة واللسن، وشيمتهم لف القبيح ونشر الحسن. يميلون إلى القول بموجب المدح، ولا يملون من مراجعة الراغبين في المنح. دأبهم استخدام الناس بالمعروف، وعدم التورية عن العاني والملهوف. ويجلون الكبير ويبجلون الصغير، ولا يخلون بمراعاة النظير. لهم إلى الخير رجوع والتفات. وبالجملة فقد حازوا جميع جميا الصفات.
كتبت، فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام، قست خطك بالسحر