نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٣

ومن وعل أرقب، لا يفارق النفق والمرقب، يحمي الأروية، ويحتجب في البر عن البرية. يسكن في الأماكن الوعرة، ويصبر على شدة القرة والوغرة:
إن شئت تلقى راهباً ذا رغبة ... في شامخ عالي الذرا فالق الوعل
سامي التليل بالضياء مرتد ... من تيهه وبالظلام منتعل
ومن ظبي غرير، متلفع بمطارف الحرير. كحيل الطرف ذكي العرف. جميل الصفات حسن الالتفات. إن حضر أحيا الأرواح، وإن أحضر فات الرياح:
غزال قد غزا قلبي ... بأسياف من الطرف
له عطف به ميل ... ولكن لا إلى العطف
ومن أرنب يرتع بين الشيح والزرنب. بطنه يقق، ومتنه شفق. قصير اليدين، ينام وهو ساهر العين:
وأرنب ذي وثوب في سياحته ... أثوابه صبغت من ماء عقبان
إذا جرى في فلاة خوف مقتنص ... تخاله كرة تهفو بميدان
ومن قرد نسناس، في خلقه ما يشبه الناس. خفيف الروح، يغدو في الشواهق ويروح. نزيه يهفوف، بالفهم والذكاء معروف:
أحسن بقرد سريع الفهم ذي شبه ... بالآدمي وهذا القدر يكفيه
له لسان ولكن لا يوافقه ... يكاد ينطق لولا عجمة فيه
فلما عانيت من تلك الوحوش ما راقني، وشاهدت من أصنافها وأوصافها ما شاقني، واجتليت محاسن عرائسها، وتنزهت في رياض ملابسها، قمت من شكر بارئها بما يجب، وأعلنت بتوحيد رازقها من حيث لا تحتسب، وتلوث إذ أدهشني جمعها وخلقها: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ". ثم إنها مالت من الورد إلى الصدر، وتفرقت بعد الاجتماع شذر مذر، فنهضت عازماً على الإياب متوكلاً على الكريم الوهاب، عائجاً إلى حيث أتيت، مثبتاً في ديوان الغرائب ما رأيت.
؟ الفصل العشرون:
في الطيور
أخبرني بعض الإخوان، أنه رأى بلدة من البلدان، متسعة الفناء، محكمة البناء، تروق العيون، وتحرك السكون، بالقرب منها واد خصيب، يشتمل من الأطيار على كل غريب، مديد الأشجار، منسرح الأنهار، وافر الخير، يعرف بوكر الطير. فتقت إلى رؤية ذلك الوادي، وحدا بي من الشوق إليه حادي، فسرت أطوي البيد، وأصل التحليج بالتخويد، إلى أن أتيت إليه، وأنخت راحلتي عليه. فعاينت منه ما حقق مطالبي ووجدت به ما صاح بي كما قال صاحبي:
واد عليه للمحاسن رونق ... وبه طيور طاب عيش نديمها
أرجاؤه مشحونة بسباعها ... وكلابها وبغاثها وبهيمها
فمن صقر شريف النجار، رفيع المقدار. القمر منظره، والهلال منسره. له ثوب أرقط، بياضه بالسواد منقط، حسن السلوك، لا يصحب إلا الملوك.
ومن باز أشهب، جمر مقلتيه يتلهب. خفيف الجناح، سريع النجاح. يلمع في الجو كالبارق، وينقض انقضاض الطارق. قوي الافتراس، يثب على الطريدة وثوب الهرماس.
وصقر أحمر الجلبات شهم ... طموح العين معقود اللواء
يطير إلى الفلاة يروم صيداً ... فيرجع بالأرانب والظباء
وشاهين رحيب الصدر جون ... يجيد السبح في بحر الفضاء
إذا الكركي لاح سما إليه ... وعاجله بمحتوم القضاء
ومن كوهية حالية الحلة، تجلى كالعرائس في الأكلة، ملابسها مدبجة، ومخالبها بدم القلوب مضرجة، ذات درع ظلها ضافي، منتظمة القوادم والخوافي. تمر مر السحاب، وتأتي بما لم يكن في الحساب.
ومن باشق فرعه مع صغر حجمه باسق، زعرور الأخلاق ذهبي الأحداق. شاكي السلاح، محمود الغدو والرواح. يمرق كالسهام، ويوقع الحمام في شرك الحمام:
وطاو أعار الروض لما ... مشى في اللازوردي المدثر
يلوح على المفارق منه تاج ... بديع تاج قيصر عنه قصر
وديك عرفه من أرجوان ... وجؤجؤه من الوشي المحبر
يرى سهر الدجا حتى إذا ما ... دنا الإصباح هلل ثم كبر
ومن ببغاء جميل الصفات، قوي على حكاية الأصوات. فهمه صحيح، ولسانه فصيح. هندي الأوطان، زبرجدي الأردان. طرفه مركب من قار، وله من الياقوت منقار.
ومن هدهد وافر الهداية، نافر عن الضلالة والغواية. يرى الماء في باطن الفجاج، كما ينظره الإنسان في داخل الزجاج. مرقوم البرود، كثير الركوع والسجود. يميد في حلله الفاخرة ويميس، كأنما ألبسه سليمان تاج بلقيس: