نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢١
يحكين في البيد النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان
ثم إن الملك أمر برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها: فمن جسرة لونها أحمر، وليل سراها واضح أقمر. عنكرة عيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موارة اليدين، بعيدة وخد الرجلين أنحلها التسيار، وهذبتها الأسفار.
ومن سرداح لونها أرمك، يكاد خيال السماك بها يمسك، مليئة بالذوح والإساد، تخالط حمرتها السواد. جميلة الصفات مرقال، حسنة الشمائل شملال. رحبة السقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا.
ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر السراب كالزورق. ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام، وتثبت في أثواب وُرق الحمام. موصوفة بالإعصاف، معروفة بالإعناق والإيجاف. ومن أمون لونها جون، وكون مثلها من محاسن الكون. تميل إن شبهتها إلى الدجا، ولا تمل من السير ولو براها الوجى. لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تفوت الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها.
ومن وجناء لونها أصهب، ورباطها الدمسقي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق. شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور، غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق. ومن مصباح لونها أغبش، وكل من قوائمها أحمس، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقاً إلى النصرة. هوجاء دفاق، روعاء مزاق، ترض الحصا برصها، وتستطلع الأخبار بنصها.
ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيد بغيرها لا تطوى. تجوب القفار وتجوس خلال الديار. مشفرها رقيق، وسبب وظيفها وثيق. تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها:
وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها
تخط حروفاً بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها
فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أحذ الحاضرون في تذكر أشكالها، وأفاضوا في نعت محاسنها وجمالها. ثم إن الملك أمر باحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام. فقمت مبادراً إلى الذهاب، متفكراً في رزق الله لمن يشاء بغير حساب، قائلاً: فاز المخفون، وهلك المثقلون، تالياً: " وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ".
الفصل التاسع عشر
في الوحش
هفا بي هيف الإسفار، وطوحني بين أنكر صحبة الأسفار، إلى خرق متسع الجوانب تطول على سالكه سبائب السباسب. فسرت أطوي خيفه وصمانه، وأرض جلاميده وصوانه، إلى أن دنت الشمس من الزوال، وآل أمر الظامىء إلى رؤية الآل. فبينما أنا أرود لأرد، لاح لعيني غدير مطرد. فأتيته مسروراً، ونهلت منه ماء مقروراً. ثم توضأت لأداء المكتوبة، وأبرد بالصلاة ما صلي من الجوارح المكروبة. ونظرت فإذا تلعة من التلاع، مشرفة على اليفاع، من تلك البقاع، فاقتعدت ذروتها، وتلقيت للقيلولة هضبتها. فما استقر المجلس بي ولا بلغت من الراحة أربي، إلا والغبرة قد نشرت، والوحوش للورد قد حشرت: فمن أسد ورد شديد الباس، عرد صعب المراس، بين جفنيه مقباس. شثن الكف، لا يرهب من أبطال الصف. ملك مهاب، تبري الإهاب، حديد الظفر والناب، يخلفه الشبل إن غاب عن الغاب:
متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا
يطأ الثرى مترفقاً من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلاً
ومن نمر شرس الأخلاق، دم الفريسة بين يديه يراق. الجلبة ضمن جلبابه، والنوائب كامنة في أنيابه، وثباته لاتنكر، وثباته أشهر من أن يذكر. يقطع الطريق، ويحب شرب الرحيق:
أحسن به من النمور أهرتا ... يحار في تدبيجه أهل الحجا
إذا بدا يريك من إهابه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا
ومن فهد خصره رقيق، وعقد فقاره وثيق، واضح الجبين، أفطس العرنين. كم فرى من فرا، واجترح واجترا، وظفر فظفر، وتخفر به الصيد فما خفر.
فهد كحيل المقلتين مرقش ... جهم المحيا لا يمل من الحنق
والليل فيه والنهار تغايراً ... لله ثوب ألبساه من الحدق