نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ١٩

وبه شمع يدهش الأبصار، ويحيى ما مات من ضوء النهار. دبيقي الملابس، عقيقي القلانس. وافر الأدب والهمة، لا يبرح واقفاً في الخدمة:
من كل هيفاء تهوى الشمس رؤيتها ... بكت وأنت فلاح الماء واللهب
تجلى على السراب في ثوب لها يقق ... كحية من لجين رأسها ذهب
وفيه أنواع من الشراب، تلمع في أوانيها كلمع السراب. فمن خرطوم، تخفي بدر حبابها النجوم، وشمول تشمل القوم بالقبول. ومشعشة منازل كواكبها مرتفعة، وعاتق تقدم عصرها، وخف على النديم أمرها. وخابية حانية، قطوف كرومها دانية:
وطوس وقنديل عقار وقرقف ... مدام وإسفنط سلاف وجريال
طلاً وسباء والحميا وقهوة ... كميت، شموس، خندريس وسلسال
إلى غير ذلك من روح وريحان، ومحاسن وإحسان. ومسموع ومشموم، ومشروب ومطعوم. وعود يحرق ويحرك، ومسك في الصحاف يفتت ويفرك. وقريض ينشد، وعرف ضائع لا ينشد، وبم وزير، وجنة وحرير، وزهور ومزاهر، وملح ونوادر، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون:
أيا نديمي لو شاهدت وقفتنا ... في مجلس اللهو حيث الخصم مغلوب
والدف والدن مضروب ومنكسر ... والزق يذبح والراووق مصلوب
وبالجملة فإني عاينت من التفضيل، ما يغني عن التفصيل، وكاد ثقيل الطرب يستخفني لولا عناية الملك الجليل. ثم نظرت وإذا أمر القوم قد اضطرب، والعترفان يخبر عن ذنب السرحان بحسن المنقلب، فأشرت إلى صاحبي بالنقلة، وعرفته أن الليل قد عزم على الرحلة. فقام يهتز من السكر اهتزاز الأفنان. وانصرفنا، وأنا أمشي كالرخ وهو يمشي كالفرزان. فلما صرنا إلى البيت، خر صعقاً كالميت. فجلست معرضاً عن الكرى، متفكراً فيما قد جرى، لائماً نفسي على اتباع الهوى، ذاماً لها على معاشرة من ضل وغوى. ثم إني ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حياً - مجالس الشراب.

الفصل السابع عشر
في الشيب والخضاب
رأيت بعض مشايخ الأصحاب، وهو يتعاطى ما يتعاطاه الشباب. فقلت: يامن وعظه الشيب، جاءك النذير بلا ريب، فاصرف عين العيب، واق عالم الشهادة والغيب. نأت الغرابيب السود، ودنت البزاة واثبة كالأسود. وظهرت غرة القمر، وأومض البرق في ليل الشعر. ورمي فاحم الفود بضده، واشتعل المبيض في مسوده. قدم رائد الهداية، وزائد الغواية، وطليعة العفاف، وذريعة الإنصاف. ومظنه الوقار، ومشرق الأنوار. فخل الخلال الجانية عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك:
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأزهار
من شباب عذاره لم تقبل أعذاره. من عذل شبابه ولي مصابه. من لمع ضوء فرعه، تفرق شمل جمعه. من كبر ذوى عوده، وغابت سعوده، وأفل نجمه، ووهن عظمه، وضعف بعد القوة جسمه، وخمدت منه الأنفاس، عنه ظباء الكناس:
لو كان عمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالك
يامن أدركه المشيب، اترك الغزل والنسيب، إرجع إلى الله من قريب، ولذ بالمتاب واعدل عن الخضاب، واخش نصول الفضول، ودع من يزور ثم يزول. ولا تطمع بوصل الحسان، واكتب لهن تسريحاً بإحسان، واحذر منهن العدو الأزرق، واسبق إلى منعهن من قبل أن تسبق.
عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا
فنظر إلي مليا، وقال: لقد جئت شيئاً فرياً. ياهذا أنت ناصح أمين، أم ذابح بغير سكين؟ نكست الأعلام وفتنت الأحلام، وفخمت الوعيد، وجلت في ميدان التهديد، وآثرت نيران التلف، ودثرت " عفا الله عما سلف "، وأدنيت غمام الغم، ومدحت ما يستحق الذم:
ما رأينا المشيب إلا كثلج ... أبيض بارد قليل المقام
واهاً له من زائر يظهر العدل وهو جائر، يأتي من الشهب على كل ضامر، ويخرب من الأعمار كل عامر، ولا يرجى لسليبه عوض، ولا يقضي لصاحبه غرض. ناع ينغص لذة الرفاق، وساع يطوف بحرم الفراق. معلول لا يعتني بحفظ ميثاقه، ورسول معجزته الخوف من اجتماعه، والفرق من فراقه:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع