محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٧ - أقسام التزاحم
أحدهما ، فلا محالة يقع التعارض بين دليليهما.
وأمّا إذا لم يكن بينهما تنافٍ لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى ، كوجوب صلاة الفريضة ووجوب إزالة النجاسة عن المسجد مثلاً ، فلا مانع من جعل كليهما معاً أصلاً ، بداهة أنّه لا تنافي بين جعل وجوب الصلاة للقادر وجعل وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ، غاية الأمر أنّه قد يتّفق لبعض أفراد المكلفين أنّه لا يتمكن من الجمع بينهما في مقام الامتثال ، وعليه فلا محالة لا يكون أحدهما فعلياً ، لما عرفت من أنّ فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه وهو القدرة في مفروض المقام ، وحيث إنّ فعلية القدرة بالاضافة إلى كلا الحكمين ممتنعة على الفرض امتنعت فعلية كليهما معاً.
ومن البديهي أنّ هذا المقدار من التنافي لا يمنع من جعلهما على نحو القضية الحقيقية ، لوضوح أنّه لو كان مانعاً فانّما يكون من جهة أنّه يوجب كون جعلهما لغواً ، ومن الواضح أنّه لا يوجب ذلك باعتبار أنّه تنافٍ اتفاقي في مادة شخص ما ، والموجب له إنّما هو التنافي الدائمي وبالاضافة إلى جميع المكلفين ، كما هو الحال في الضدين اللذين ليس لهما ثالث ، حيث لا يمكن للشارع إيجابهما معاً ، فانّه لغو محض وصدوره من الحكيم محال ، بل الحال كذلك في مطلق الضدّين ولو كان بينهما ثالث ، كالقيام والقعود والسواد والبياض وما شاكلهما ، فانّه لا يمكن للشارع إيجاب كليهما معاً في زمان واحد ، وذلك لعدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال أبداً ، من جهة أنّ التنافي بينهما أبدي لا اتفاقي ، وعليه فايجابهما لغو محض فلا يصدر من الحكيم.
ومن هنا قد ذكرنا سابقاً [١] أنّ التضاد بين الفعلين إذا كان دائمياً كان دليل وجوب أحدهما معارضاً لدليل وجوب الآخر لا محالة ، فالملاك الرئيسي
[١] في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص ٤٦٨