محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٨٠ - الجهة السادسة نقد ابتناء القول بالجواز على نظر العرف
وعلى ضوء ذلك قد تبيّن أنّه لا معنى لأن يقال إنّ القول بالامتناع في المسألة يرتكز على نظر العرف والقول بالجواز فيها يرتكز على نظر العقل ، والوجه فيه هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّ نظر العرف إنّما يكون متبعاً في مقام تعيين مفاهيم الألفاظ سعةً وضيقاً ، لا في مثل مسألتنا هذه حيث إنّه لا صلة لها بعالم اللفظ أبداً ، وليس البحث فيها عن تعيين مفهوم الأمر ومفهوم النهي ، والبحث فيها إنّما هو عن سراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق به الأمر وعدم سرايته.
وقد تقدّم أنّهما ترتكزان على وحدة المجمع في مورد التصادق والاجتماع وتعدده فيه ، فإن كان واحداً بحسب الواقع والحقيقة فلا مناص من القول بالامتناع والسراية ، وإن كان متعدداً في الواقع ، فعندئذ لو قلنا بأنّ الحكم الثابت لأحد المتلازمين يسري إلى الملازم الآخر ، فأيضاً لا مناص من القول بالامتناع ، ولكن هذا مجرد فرض لا واقع له أصلاً.
وأمّا إذا قلنا بأ نّه لا يسري إلى الملازم الآخر كما هو الصحيح ، فلا بدّ من الالتزام بالقول بالجواز وعدم السراية ، ومن الطبيعي أنّ الملاك في السراية وعدمها وهو وحدة المجمع وتعدده إنّما هو بنظر العقل ، ضرورة أنّ اللفظ لا يدل على أنّه واحد في مورد الاجتماع والتصادق أو متعدد ، فانّ إدراك ذلك إنّما هو بنظر العقل ، فإن أدرك أنّه متعدد واقعاً كان المتعين هو القول بالجواز ، فلا معنى لحكم العرف بالامتناع في هذا الفرض ، وإن أدرك أنّه واحد واقعاً لم يكن مناص من القول بالامتناع ، لاستحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً ، فإذن لايعقل الحكم بالجواز ، وكيف كان فلا أصل لهذا التفصيل أصلاً.