الاسلام ينابيعه مناهجه غاياته - محمد أمين زين الدين - الصفحة ٢٨٦
بهذا المنظار الدقيق الذي ينفذ الى أعمق الأعماق في بيئة الانسان الكونية والى غور الاغوار في دخيلته الذاتية يستوعب الإسلام كل خصائص هذا الكائن فحصاً. ويستقرىء كل ملابساته درساً ، كي يصف له العلاج الواقي ويضع له المنهاج الراقي.
العلاج الذي يحسم عنه كل داء ، والمنهاج الذي يسدده في كل مدى.
أقول : على هذه الوحدة العامة التي تربط بين أجزاء الكون وتصل بين متفرقاته وتؤلف بين غاياته ؛ بنى الإسلام جميع تشريعاته للانسان ، فأي حكم من أحكامه شرّعه للانسان بما هو موجود مستقل فهو حكم له كذلك بما هو فرد من أفراد المجتمع ، وهو حكم له بما هو مولود من مواليد الحياة ، وشيء من اشياء الطبيعة ، وأخيراً بما هو جزء من اجزاء الكون. وعلى هذه الركيزة وضع الإسلام فكرته في الاجتماع وأسس نظامه للمجتمع ، فالبشرية بجميع اصنافها وبكل تخومها وأطرافها مجتمع واحد ، متكافئة اعضاؤه في الحقوق ، متعادلة في الواجبات متماثلة في الاعباء والتبعات ، فلا فارق في شريعة الإسلام بين دم ودم ولا بين جنس وجنس ، ولا بين لون ولون ، ولا بين موطن وموطن ، ولا بين زمان وزمان ، ولا بين طبقة وطبقة :
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [١].
مجتمع واحد يشد بعضه ببعض نسب الكون قبل أي نسب ثم آصرة الطبيعة ورحم المادة ولحمة الحياة وقربى البشرية. ثم هذه الركائز
[١] ـ الحجرات ، الآية ١٣.