مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٦ - المقسم به
لا ريب انّ هذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد ، ولكن جميعها ترجع إلى أصل واحد وهو من فوض إليه أمر الشيء المربوب ، فلو قيل لصاحب الدار ومالكها ربّ الدار ، فلأنّ أمرها مفوض إليه ، ولو أطلق على المصلح والسائس ، فلأنّ بيد هؤلاء أمر التدبير والإدارة والتصرف ، فلو قال يوسف في حقّ عزيز مصر : ( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) [١] ، فلأجل انّ يوسف نشأ في إحضانه وقام بشؤونه.
ولو وصف القرآن اليهود والنصارىٰ بأنّهم اتخذوا أحبارهم أرباباً ، وقال : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ) [٢] ، فلأجل انّهم تسلّموا زمام سلطة التشريع وتصرّفوا في الأموال والأعراض كيفما شاءُوا.
إنّه سبحان وصف نفسه ، بقوله : ( رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) [٣] وقال أيضاً : ( رَبُّ الشِّعْرَىٰ ) [٤] كلّ ذلك لانّه تعالىٰ مدبرها ومديرها ومصلح شؤونها والقائم عليها.
وهذا البيان يكشف النقاب عن المعنى الحقيقي للرب ، وهو المعنى الجامع بين هذه الموارد. أعني : من فوِّض إليه أمر الشيء من حيث الخلق والتدبير والتربية ، وبذلك يعلم ما في كلام ابن فارس من تفسيره بالخالق ، فانّه خلط بين المعنى ولازمه فالخالق ليس من معاني الرب.
نعم خالق كلّ شيء يعدّ مربياً ومدبراً.
وثمة نكتة جديرة بالاهتمام ، وهي : أنّ الوهابيين قسَّموا التوحيد إلى التوحيد
[١] يوسف : ٢٣.
[٢] التوبة : ٣١.
[٣] الرعد : ١٦.
[٤] النجم : ٤٩.