مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩ - التمثيل الأوّل
مَا حَوْلَهُ ) ، وذلك بحذف جواب « لمّا » ، لكونه معلوماً في الجملة التالية ، وهو عبارة عن إخماد ناره فبقى في الظلام خائفاً متحيّراً.
وإلاّ فلو كان قوله ( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) من أجزاء المشبّه به ، وراجعاً إلى مَن استوقد ناراً ، يلزم أن تكون الجملة التالية أعني قوله : ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) كذلك ، أي من أوصاف المستوقد ، مع أنّها من أوصاف المنافق دون أدنى ريب ، ولو أردنا أن نصيغ المشبه والمشبه به بعبارة مفصّلة ، فنقول :
المشبه به : الذي استوقد ناراً فلمّا أضاءت ما حوله أُطفأت ناره.
والمشبه : المنافقون الذين استضاءوا بنور الإسلام فترة ثمّ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون.
وأمّا وجه الافراد ، فهو أنّه إذا كان التشبيه بين الأعيان فيلزم المطابقة ، لأنّ عين كلّ واحد منهم غير أعيان الآخر. ولذلك إنّما يكون التشبيه بين الأعيان إذا روعي التطابق في الجمع والإفراد ، يقول سبحانه : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) [١] ، وقوله : ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) [٢].
وأمّا إذا كان التشبيه بين الأفعال فلا يشترطون التطابق لوحدة الفعل من حيث الماهية والخصوصيات ، يقال في المثل : ما أفعالكم كفعل الكلب. أي ما أفعالكم إلاّ كفعل الكلب.
وربما يقال : إنّ الموصول « الذي » بمعنى الجمع ، قال سبحانه : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ) [٣]. [٤]
[١] المنافقون : ٤.
[٢] الحاقة : ٧.
[٣] الزمر : ٣٣.
[٤] انظر التبيان في تفسير القرآن : ١ / ٨٦.