مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٤ - ٢ الحريّة الفكريّة والعقيديّة
نعم ربّما يتسبّب الإنسان نفسه في عبوديّته إذا تخاذل وخنع ، وتهاون في حفظ شخصيّته ، وترك الآخرين يستعبدونه ويسلبون حريّته ، ويستعلون عليه ويسترقّونه ولم يدافع حقّ الدفاع عن حريّته وكرامته ، قال الإمام عليّ عليهالسلام : « الناسُ كُلُّهم أحرار إلاّ من أقرّ على نفسه بالعُبُوديّة » [١].
ولكنّ الإسلام حارب كلّ ألوان الخضوع والتبعيّة لغير الله ... ووصف هدفه بأنّه جاء ليضع عن الناس كلّ الأغلال قال سبحانه : ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ( الأعراف : ١٥٧ ).
كما حارب الإسلام بشدّة كلّ ألوان الرقّ الذي كان متعارفاً زمن الجاهليّة ولا زال العالم الحديث يعاني منه قليلاً [٢].
ومن حقّ الحريّة الشخصيّة هذه أن يصبح كلّ إنسان آمناً على حريّته فلا يحبس ولا يعتقل إلاّ بقانون صحيح [٣].
٢. الحريّة الفكريّة والعقيديّة :وهي من أهمّ أقسام الحريّة ( بعد الحريّة الشخصيّة ) وتعني : بأن يكون لكلّ إنسان الحقّ في اختيار ما يراه من عقيدة ، واعتناق ما يريده من فكرة دون أن يجوز لأحد إجباره على غيره ، وإلى هذا أشار القرآن الكريم إذ قال : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) ( البقرة : ٢٥٦ ).
[١] وسائل الشيعة ٣ : ٢٤٣.
[٢] لقد ذكرنا لك فلسفة الرقّ الذي يعترف به الإسلام أثناء الحرب في الفصل الرابع الصفحة : ٢٥٧ من هذا الكتاب.
[٣] ليس للسجون في النظام الإسلاميّ مجال واسع كما هو الحال في الأنظمة الوضعية ، نعم هناك بعض الموارد يضطرّ فيها الحاكم إلى حبس الأفراد وهي نادرة مذكورة في الفقه ، وسنذكر إجمال القول فيها في آخر هذا الفصل.