مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٩ - ٢ البيعة قبل الإسلام
إنّ الموارد التي بايع فيها المسلمون رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم جميعاً أو فرادى ، لا تنحصر في هذين الموردين ، بل هي أكثر من ذلك ، وفي جميع تلك الموارد يبدو جليّاً أنّ المبايعين كانوا ـ بعد أن يؤمنوا بنبوّة النبيّ ويعترفوا بقيادته وزعامته ـ يصبّون ما يلازم ذلك الإيمان ، من الالتزام بأوامر الرسول وإطاعته في قالب ( البيعة ) ، فكانت البيعة صورةً عمليّةً للالتزام النفسيّ بأوامر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد الإقرار بنبوّته والاعتراف المسبق بزعامته.
ولو أمعن القارئ الكريم في تفاصيل الموارد التي بايع فيها المسلمون كلهم أو بعضهم ( النبي ) لوجد ، أنّ البيعة لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته فضلاً عن نصبه وتعيينه ، بل كانت لأجل التدليل على ذلك الاعتراف والتأكيد العمليّ على الالتزام بلوازم الإيمان المسبق به صلىاللهعليهوآلهوسلم ولذلك نجد النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : « فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني ، وتصلُّوا وتزكُّوا » [١].
« وأن تدفعوا عنّي العدوّ حتّى الموت [٢] ، ولا تفروا من الحرب » [٣].
وصفوة القول : أنّ من يلاحظ هذه المضامين ، يمكن أن يحدس بأنّ الهدف من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية ، بل هو ميثاق بين شخصين وهي تندرج تحت قوله سبحانه : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ( المائدة : ١ ).
وقوله سبحانه : ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) ( الإسراء : ٣٤ ).
فيجب العمل بمفادها ويحرم نقضها ونكثها.
يقول الإمام أمير المؤمنين في الحث على الوفاء بالبيعة : « وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم » [٤].
ومن مراجعة خطب الإمام عليّ عليهالسلام وكلماته في نهج البلاغة ، يتضح أنّ
[١] صحيح البخاري : كتاب الإيمان.
[٢] مسند أحمد ٤ : ١٥.
[٣] مسند أحمد ٣ : ٢٩٢.
[٤] نهج البلاغة : الخطبة (٣٤).