العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢ - الفوضى في التطبيق بين الإمام والمأموم

(٤|١٢١) عن زيد بن الحباب قال: حدّثني أبو مودود قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفراً من أصحاب النبيّ إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى زمانة المنبر القرعاء فمسحوها، ودعوا قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.

وهذا لما كان منبره الذي لامس جسمه الشريف، أمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعيّة مسحه تبرّكاً به».

ويلاحظ على هذا الكلام: بعد وجود التناقض بين ما نقل عن ابن تيمية من تخصيص المسّ بمنبر النبيّ با بن عمر، وما نقله عن المصنّف لابن أبي شيبة من مسح نفر من أصحاب النبيّ رمانة المنبر:

أوّلاً: لو كان جواز المسّ مختصّاً بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لايمس كان على الاِمام المفتي أن يذكر القيدَ، ولا يُطلق كلامَه، حتّى ولو افترضنا أنّ المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفسَ المنبر الذي لامسَه جسمُ النبيّ الاَكرم، وهذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، وتقبيلالمنبر الآخرعينَالشرك،لماجاز للمفتي أنيغفلالتقسيم والتصنيف.

وثانياً: أنّ ما يفسده هذا التحليل أكثر ممّا يصلحه، وذلك لاَنّ معناه أنّ لجسمه الشريف تأثيراً في المنبر وما تبرّك به، وهذا يناقض التوحيد الربوبي من أنّه لا مؤثّر في الكون إلاّ الله سبحانه، فكيف يعترف الوهّابي بأنّ لجسمه الشريف في الجسم الجامد تأثيراً وأنّه يجوز للمسلمين أن يتأثروا به عبر القرون.

ثم إنّ المعلّق استثنى مسّ قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والتبرّك به، ومنعهما وقال في وجهه:

«وأمّا جواز مسّ قبر النبيّ والتبرّك به فهذا القول غريب جداً لم أرَ أحداً نقله عن الاِمام، وقال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر (ص ٣١): اتّفق الاَئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي ولا يقبله، وهذا كلّه محافظة على التوحيد؛ فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد»[١].


[١] تعليقة المحقّق، نفس الصفحة.