العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦ - ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته
وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً )[١]، ومعه كيف يأمر بسجود الملائكة لآدم الذي هو من مصاديق الخضوع النهائي؟ وهذا الاِشكال لايندفع إلاّ بنفي كون الخضوع عبادة، ببيان أنّ للعبادة مقوّماً لم يكن موجوداً في سجود الملائكة لآدم.
ولم يكن آدم فحسب هو المسجود له بأمره سبحانه، بل يوسف الصدّيق كان نظيره؛ فقد سجد له أبواه وإخوته، وتحقّق تأويل رؤياه بنفس ذلك العمل، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف _ عليه السلام _ : (إنّي رأيتُ أحدَ عشَر كوكباً والشَّمسَ والقَمَر رأَيتُهُمْ لي ساجِدِينَ )[٢].
كما يحكي تحقّقه بقوله سبحانه: (ورَفعَ أبَويهِ عَلَى العَرشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقالَ يا أبَتِ هـذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلها رَبِّي حَقّاً )[٣]ومعه كيف يصحّ تفسير العبادة بالخضوع أو نهايته؟
إنّه سبحانه أمر جميع المسلمين بالطواف بالبيت الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً، كما أمر بالسعي بين الصفا والمروة، قال سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ )[٤] وقال سبحانه: (إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيتَ أوِ اعْتَمَر فَلا جُناحَ عَلَيهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما )[٥].
فهل ترى أنّ الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الاَشياء بحجّة أنّه خضوع لها؟!
إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر، قال سبحانه:
(فَسَوْفَ يأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلى
الكافِرينَ )[٦].
[١] آل عمران: ٦٤.
[٢] يوسف: ٤.
[٣] يوسف: ١٠٠.
[٤] الحج: ٢٩.
[٥] البقرة: ١٥٨.
[٦] المائدة: ٥٤.