العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣
لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي )[١]إلى غيرهما من الآيات التي ورد فيها لفظ الدعاء، أفيصحّ القول بأنّ نوحاً دعا قومه أي عبدهم، أو أنّ الشيطان دعا المذنبين أي عبدهم؟ كلّ ذلك يحفزنا إلى أن نقف في تفسير الدعاء وقفة تمعّن حتى نميّز الدعاء الذي هو عبادة عمّا ليس كذلك.
والاِمعان فيما تقدّم في تفسير العبادة يميِّز بين القسمين؛ فلو كان الداعي والمستعين بالغير معتقداً بإلوهية المستعان ولو إلوهية صغيرة كان دعاؤه عبادة، ولاَجل ذلك كان دعاء عبدة الاَصنام عبادة؛ لاعتقادهم بإلوهيتها، قال سبحانه: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ )[٢].
وما ورد من الآيات في السؤال كلّها من هذا القبيل؛ فأنّها وردت في حقّ المشركين القائلين بإلوهية أصنامهم وأوثانهم باعتقاد استقلالهم في التصرّف والشفاعة وتفويض الاَُمور إليهم ولو في بعض الشؤون. ففي هذا المجال يعود كلّ دعاء عبادة، ويفسر الدعاء في الآيات الماضية والتالية بالعبادة، قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ )[٣]. (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاَ )[٤]. (اُولئك الَّذِينَ يَدعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةُ )[٥]. (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ )[٦]. (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ )[٧]. وما ورد في الاَثر من أنّ الدعاء مُخّ العبادة، أُريد منه دعاء الله أو دعاء الآلهة لا مطلق الدعاء وإن كان المدعوّ غير إله لا حقيقةً أو اعتقاداً.
وفي روايات أئمّة أهل البيت إلماع إلى ذلك، يقول الاِمام زين العابدين في ضمن دعائه: «... فسمّيتَ دعاءك عبادة وتركه استكباراً وتوعّدت على تركه دخول جهنم داخرين»[٨]وهو يشير في كلامه هذا إلى قوله سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )[٩].
هذا هو الدعاء المساوي للعبادة، وهناك قسم آخر منه لا صلة بينه وبين العبادة، وهو فيما إذا دعا شخصاً بما أنّه إنسان وعبد من عباد الله غير أنّه قادر على إنجاز طلبه بإقدار منه تعالى وإذن منه، فليس مثل هذه الدعوة عبادة، بل سنّة من السنن الاِلهية في الكون، هذا هو ذو القرنين يواجه قوماً مضطهدين يطلبون منه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدّاً فعند ذلك يخاطبهم ذو القرنين بقوله: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ ربِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً )[١٠]وها هو الذي من شيعة موسى يستغيث به، يقول سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )[١١]وهذا هو النبيّ الاَكرم_ صلى الله عليه وآله وسلم _ يدعو قومه للذبِّ عن الاِسلام في غزوة أُحد وقد تولّوا عنه، قال سبحانه: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي اُخْرَاكُمْ )[١٢]فهذا النوع من الدعاء قامت عليه الحياة البشرية، فليس هو عبادة، وإنّما هو توسّل بالاَسباب، فإن كان السبب قادراً على إنجاز المطلوب كان الدعاء أمراً عقلائياً وإلاّ يكون لغواً وعبثاً.
ثمّ إنّ القائلين بأنّ دعاء الصالحين عبادة، عند مواجهتهم لهذا القسم من الآيات وما تقتضيه الحياة الاجتماعية، يتشبّثون بكلّ طحلب حتّى ينجيهم من الغرق ويقولون إنّ هذه الآيات تعود على الاَحياء ولا صلة لها بدعاء الاَموات، فكون القسم الاَول جائزاً وأنّه غير عبادة؛ لا يلازم جواز القسم الثاني وكونه غير عبادة.
ولكن عزب عن هؤلاء أنّ الحياة والموت ليسا حدّين للتوحيد والشرك ولا ملاكين لهما، بل هما حدّان لكون الدعاء مفيداً أو لا، وبتعبير آخر ملاكان للجدوائية وعدمها.
فلو كان الصالح المدعوّ غير قادر لاَجل موته مثلاً تكون الدعوة أمراً غير مفيد لا عبادة له، ومن الغريب أن يكون طلب شيء من الحيِّ نفس التوحيد ومن الميت نفس الشرك.
كلّ ذلك يوقفنا على أنّ القوم لم يدرسوا ملاكات التوحيد والشرك، بل لم يدرسوا الآيات الواردة في النهي عن دعاء غيره، فأخذوا بحرفيّة الآيات من دون تدبّر مع أنّه سبحانه يقول: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَليتذكَّرَ اُولُوا الاََْلْبَاب )[١٣].
ثمّ إنّ الكلام في أنّ دعاء الصالحين بعد انتقالهم إلى رحمة الله مفيد أو لا؟ يتطلّب مجالاً آخراً، وسوف نستوفي الكلام عنه في بحث خاص حول وجود الصلة بيننا وبين أولياء الله في ضوء الكتاب والسنة.
[١] إبراهيم : ٢٢ .
[٢] هود : ١٠١ .
[٣] الأعراف : ١٩٤ .
[٤] الإسراء : ٥٦ .
[٥] الإسراء : ٥٧ .
[٦] يونس : ١٠٦ .
[٧] فاطر : ١٤ .
[٨] الصحيفة السجادية، دعاؤه برقم ٤٥ .
[٩] غافر : ٦٠ .
[١٠] الكهف : ٩٥ .
[١١] القصص : ١٥ .
[١٢] آل عمران : ١٥٣ .
[١٣] ص : ٢٩ .