العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠ - حصيلةالبحث

إنّ في الكون مؤثّراً تامّاً، ومستقلاًّ واحداً، غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه، وأمّا العوامل الاَُخر فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي تؤدّي ما تؤدّي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم يعط سبحانه تلك العوامل ما أعطاها من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أيّة قدرة على شيء.

فالمعين الحقيقي في كلّ المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو الله، فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاًّ. لهذه الجهة حصر هنا الاستعانة في الله وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقلّ (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الاِلهية) ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة في الله سبحانه لسببين:

أوّلاً: لاَنّ الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الاَُخرى؛ فالاستعانة المخصوصة بالله هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير الله سبحانه إمّا هي على نحو آخر أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الاِعانة مستنداً على القدرة الاِلهية، لابالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحول الاَوّل ـ خاصّة بالله تعالى، فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً: إنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل الله ومستنداً إليه) مناص من هذا.

وأخيراً نذكّر القارىَ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالاَرواح إلاّ صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:

«ومن هنا تعلمون: إنّ الذين يستعينون بأصحاب الاَضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله