العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣ - الفوضى في التطبيق بين الإمام والمأموم
لكن يلاحظ عليه: كيف يقول: لم أجد أحداً نقله عن الاِمام، أوَ ليس ولده أبو عبد الله راوية أبيه وكتبه يروي هذه الفتوى؟ وهو ثقة عند الحنابلة!
وأمّا التفريق بين مسّ المنبر والقبر بجعل الاَوّل نفس التوحيد، والثاني أساس الشرك، فمن غرائب الاَُمور؛ لاَنّ الاَمرين يشتركان في التوجّه إلى غير الله سبحانه، فلو كان هذا محور الشرك، فالموضوعات سيّان، وإن فرّق بينهما بأنّ الماسّ ينتفع بالاَوّل دون الثاني لعدم مسّ جسده بالثاني فلازمه كون الاَوّل نافعاً والثاني أمراً باطلاً دون أن يكون شركاً.
ولو رجع المحقّق إلى الصحاح والمسانيد وكتب السيرة والتاريخ، لوقف على أنّ التبرّك بالقبر ومسّه، كان أمراً رائجاً بين المسلمين في عصر الصحابة والتابعين، ولاَجل إيقاف القارىَ على صحّة ما نقول نذكر نموذجين من ذلك:
١ ـ إنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله حضرت عند قبر
أبيها _ صلى الله عليه وآله وسلم _
وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي وتقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمد * ألاّ يشمّ مدَى الزمان غَواليا
صُبَّت عليَّ مصائب لو أنّها * صُبَّت على الاَيّامِ صِرنَ لَياليا[١]
إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء المعصومة٣ يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله وتربته الطاهرة.
٢ ـ إنّ بلالاً ـ مؤذّن رسول الله ـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأى في منامه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو يقول:
«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آنَ لك أن تزورني يا بلال؟»
فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ،
[١] لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرخين، منهم: السمهودي في وفاء الوفا ٢ : ٤٤٤؛ والخالدي في صلح الاخوان : ٥٧، وغيرهما.