الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٩
و يعنى ابن سينا عناية كبرى بالتفرقة بين الواجب و الممكن[١]، و هى متفرقة عزيزة عليه، لأنها تعد أساسا لفلسفته كلها، و لكن هذا بحث ألصق بالميتافزيقى منه بالمنطق.
ثم يحاول أن يحصر القضايا ذوات الجهة، على نحو ما صنع أرسطو. و لم تقف صور هذه القضايا فى الحقيقة عند ما قال به المعلم الأول، بل تفنن فيها تلاميذه و عقدوها بحيث نفر منها الباحثون و أهملها كثير من المناطقة. و إذا كان ابن سينا قد عرض لها فى كتبه المنطقية الأخرى كمنطق «النجاة»، و منطق «الإشارات[٢]» فان مناطقه العرب المتأخرين أهملوها إهمالا تاما.
٤- تقابل القضايا: يمت بصلة إلى منطق الحكم، كما يستخدم فى منطق البرهان، و قد عرض له أرسطو فى «كتاب العبارة»، كما عرض له فى «كتاب التحليلات الأولى» و جاراه ابن سينا فى ذلك تمام المجاراة، و إن زاد عليه فى حصر أنواع التقابل، فقد صعد بها إلى أربعة، و هى القضايا المتناقضة، و المتضادة، و الداخلة تحت التضاد و المتداخلة.
و يكاد يقصر حديثه كله على التناقض، لأنه أوضح أنواع التقابل و أقواها[٣]، و مبدأ عدم التناقض دعامة أولى من دعائم المنطق الشكلى و لأمر ما أطلق مناطقة العرب جميعا على هذا الباب اسم «تناقض القضايا».
و التناقض تقابل تام بين النفى و الإثبات، فالقضيتان المتناقضتان هما اللتان تختلفان فى الإيجاب و السلب على جهة تقتضى لذاتها أن تكون إحداهما صادقة و الأخرى كاذبة[٤].
فينبغى أن يؤخذ الموضوع و المحمول فى القضيتين بمدلول واحد، و فى زمن واحد، مثل:
كل إنسان حيوان، و بعض الإنسان ليس بحيوان، أو مثل لا جماد متحرك، و بعض الجمادات متحرك.
و دون هذا درجات لا يبدو فيها تقابل تام بين الإثبات و النفى، و أولها التضاد، و هو تقابل بين كليتين مختلفتى الكيف، مثل: كل إنسان كاتب، و لا واحد من الناس بكاتب.
و القضيتان المتضادتان لا تصدقان معا، و قد تكذبان معا، و المتضادان فى الألفاظ أو القضايا لا يجتمعان، و قد يرتفعان[٥]. و يلى هذا مرتبة الدخول تحت التضاد، و تتحقق
[١] المصدر السابق، ص ١١٧- ١٢٠.
[٢] ابن سينا، النجاة، القاهرة ١٩١٣، ص ٢٥- ٣٣؛ الإشارات، ليدن، ١٨٩٢، ص ٣٢- ٤٣.
[٣] ابن سينا، كتاب العبارة، ص ٦٦- ٧٢.
[٤] المصدر السابق، ص ٦٦.
[٥] المصدر السابق، ص ٦٩.