الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٤
مقدمة للدكتور إبراهيم مدكور
الحكم ربط فكرة بأخرى و إقامة علاقة بينهما، فهو ضرب من التركيب و إن لم يخل من التحليل. فيحلل الذهن أولا ليميز بين فكرتين، ثم يركّب ثانيا ليربط بينهما.
و الحكم من الأعمال الذهنية الهامة، و باب من أبواب علم النفس الأساسية. و يكاد يتلخص تفكيرنا فى أحكام متلاحقة، و ليس بلازم أن نصدرها جميعها عن يقين دائما، بل للظن و الوهم و الخيال فيها دخل كبير. و نحن نصدر أحكاما، أو بعبارة أخرى قرارات ذهنية، نبنى عليها آراءنا و معتقداتنا، و سلوكنا و تصرفاتنا. و لم يعن علم النفس قديما بالحكم عنايته به اليوم، عرض له أرسطو فى إشارات عابرة، و أدمجه من ناحية فى الإحساس و التجريد، و لم يفرق بينه و بين الاستدلال من ناحية أخرى[١]. و شغل المدرسيون بجانبه المنطقى أكثر مما شغلوا بجانبه السيكلوجى.
و الحكم فى الواقع أحد أقسام المنطق التقليدى الثلاثة، و هى: منطق المعنى الكلى، و منطق الحكم، و منطق الاستدلال. و لكل حكم صيغة لفظية تؤديه، و كثيرا ما تطغى على ما تضمنه من عمل ذهنى. و قد عنى القدامى بهذه الصيغة أكثر من عنايتهم بالحكم نفسه، و بدا منطق الحكم عندهم منطق جمل و عبارات، أو كما اصطلحوا «منطق قضايا». و استن أرسطو فى ذلك سنة سار عليها المناطقة فى التاريخ القديم و المتوسط، و لا يزال يعوّل عليها المناطقة المحدثون. ففصّل القول فى القضية مبينا حدودها، و علاقتها، و كمها، و كيفها، و أنواعها المختلفة. و وقف على ذلك جزءا من «الأورجانون» كان دعامة منطق القضايا حتى اليوم، و هو «كتاب العبارة».
(ا) كتاب العبارة الأرسطي
هو الجزء الثاني من منطق أرسطو، و ينصبّ على منطق الحكم أو منطق القضايا، فى حين ينصبّ الجزء الأول على منطق المعنى الكلى أو منطق الألفاظ، و هما معا يمهدان
[١]Aristote ,De Anima .٤٣٠ a ,٢٧ ,b ٣ .